تفجير وتفجير مقابل. قتل وقتل مواز. هجوم وهجوم مضاد. هذا ما يحدث منذ عقود بين إسرائيل والعرب.
لقد تحدثنا في مقالة سابقة وكررنا وأكد غيرنا على نفس الأمر ونصح العديد من المحللين السياسيين والعسكريين بأنه من المستحيل الوصول إلى حل أيا كان شكله وبأي شكل كان من خلال العنف والقتل والاغتيال. ولكن الكل متفقون على الثمن الباهظ الذي يدفعه ليس فقط المحتل (كل مقاتل لبناني كلف إسرائيل 14 مليون دولار) والمقاوم (تدمير البنية التحتية) ولكن البشرية بأكملها من أي عملية عنف تحدث في العالم.
القضية الآن ليست في الكم الهائل من العتاد العسكري الذي استخدمته إسرائيل في اجتياح غزة التي لا تتعدى مساحتها 40 كيلومترا طولا و12 كيلومترا عرضا... وليست القضية في عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في غضون أيام معدودة وكان من بينهم أطفال رضع لم تتعد أعمارهم العشرين يوما.
وليست القضية أولا وأخيرا في وقاحة أسلوب الاجتياح وسوء الأخلاق والهستيريا في إدارة حرب غير متوازنة يقودها شعب ضرب بالقيم الإنسانية عرض الحائط (لأنه الأسلوب الذي نشأ عليه حتى في تعامله مع الرب ومع الأنبياء والرسل) ضد شعب يحارب بدون كهرباء وماء وغذاء.
القضية هي أن هذه الحرب المستمرة منذ أكثر من ستين عاما مع جيرانها لم تمنح إسرائيل لحظة واحدة من النوم الهانئ الذي طالما حلم به اليهود في أرض الميعاد. وقد كلفهم هذا الحلم ثمنا باهظا من الأموال والأرواح وعدم الاستقرار النفسي والعقلي.
عدم الاستقرار النفسي أولا: فما زال اليهود يشعرون عند استيقاظهم عند كل صباح بالقلق اليومي الذي أدمنوه وبفقدان الأمن وهم يرون أنفسهم محاطين على طول حدودهم بملايين من العرب والمسلمين الذي ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليهم وتمزيقهم شر ممزق. وقد فشلت كل محاولاتهم لإخضاع هذه الشعوب بهدف تأجيل لحظة الانقضاض هذه.
لقد اعترف أحد اليهود (العقلانيين جدا) عندما سئل عن سبب رفضه الهجرة إلى أرض الميعاد كغيره، قائلا: (أنا لا أتصور نفسي أسكن في بيت من القش حتى ولو كان محصنا بالألغام وتحيط بي مجموعة من المقاتلين الشرسين الذين لا يملكون سوى عود كبريت. إنه شعور مخيف.
إنني أفضل أن أنام مع عائلتي في لندن وباريس). بالطبع هذا شعور مجمل اليهود سواء ممن عاش في داخل إسرائيل أو في خارجها. ولكن البعض منهم ما زال يحلم بأنه سوف يصحو في يوم من الأيام وقد مات كل العرب والمسلمين فتخلو لهم أرض الميعاد.
ومنذ تأسيس الدولة العبرية قبل 60 عاما وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يستطع أن يحقق اليهود ولا درجة واحدة من هذا الأمن الذي طالما حلموا به والذي يعيشه الفلسطيني في قطاع غزة وفي الضفة بكل معانيه. (آخر خبر: ذكرت السي إن إن، أن إسرائيل صنعت حافلات ركاب مدرعة!) ؟
الفلسطيني ليس لديه ما يخسره بعد أن خسر كل شيء، والفلسطيني لم يعد يهاب الموت وينتظر الشهادة على عكس نفسية اليهودي الذي تستهويه الدنيا وامتلاك ذهبها.
لا أحد يمكنه أن يتصور أن ينام الفلسطيني في غزة ورام الله وهو قلق رغم كل مصائب الدنيا التي تقع على رأسه، كما يقلق اليهودي وهو ينام في تل أبيب أو سديروت أو حيفا رغم كل أسلحة الدمار الشامل التي تملكها إسرائيل للدفاع عنه؟ كيف يا ترى ينام من هو محاصر بمحيط من البشر يكرهونه أشد الكره، ويكفيه قلقا أن فوق رأسه حزبا شرسا كحزب الله ويوجد بين قدميه رجال كرجال حماس.
عدم الاستقرار العقلي ثانيا: إن الخسارة العقلية التي مني بها اليهود هي أكبر خسارة جنوها من احتلال فلسطين عام 1948. لقد جننهم العرب والمسلمون على مدى ستة عقود متواصلة (وفق الدراسات الطبية النفسية فإن عدم الإحساس بالأمان والقلق والأرق الليلي وعدم النوم يوصل صاحبه إلى درجة خطيرة من الهستيريا ومن ثم الجنون وربما الانتحار).
لكن كيف حكمنا على أن الإسرائيليين قد فقدوا عقولهم؟ ببساطة: من التصرفات الجنونية التي نراها كل يوم. أليس جنونا قرار الحرب الذي اتخذه قادة إسرائيل ضد حزب الله في لبنان قبل عامين؟ ألا يدل ذلك على عدم قدرة على التحليل والتركيز ورعونة في اتخاذ قرار حرب مصيرية دون دراسة؟
و إلا عليهم أن يفسروا لنا كيف وقعوا هذه الوقعة السوداء أمام مجموعة من المقاومين؟ دليل آخر: منذ ثلاثين سنة والعرب يمدون لهم يد السلام، ويفتحون لهم أبوابهم وقلوبهم واقتصادهم، فكيف يرفضون كل هذه العروض والفرص التي قد لا تتكرر ثانية والتي سوف يحققون من خلالها كل أهدافهم على المدى البعيد إن لم يكن ذلك ضربا من الجنون؟
هذا الرفض يفسره علماء النفس على أنه عدم تصديق الواقع والخوف المستمر من المجهول غير المرئي والقلق من سوء نية هذا الصديق اللدود! دليل ثالث على جنون شعب إسرائيل بعد أن يأسوا من فرض السلام على صديقهم اللدود: هل رأيتم كيفية الانتقام التي يمارسها قادة ومشرعو حرب إسرائيل على أعدائهم؟
نحن نعرف بأنه حسب القوانين الوضعية والشرعية والدولية منذ عصر حمورابي بل حتى وفق قوانين الغاب وقانون الحيوانات المفترسة، فإن السن بالسن، والعين بالعين والبادئ أظلم، لكننا لم نقرأ أبدا في تاريخ وسير الأمم أو في غريزة الحيوانات أن يكون عقاب القاتل إبادة أسرته بأكملها.
ولا أسر جندي واحد تدمر لأجل إنقاذه دولة وشعبا بأكمله ومع هذا لا يتم إنقاذ هذا الجندي الواحد، ولم نسمع بأن إطلاق صاروخ متخلف صناعيا يقابل بحرق (نسبة إلى المحرقة) الأطفال والشيوخ والنساء وشطب مدينة كاملة عن بكرة أبيها بمن فيها! إنه تصرف يدل دون مبالغة على فقدان نسبة هامة جدا من القوة العقلية والنزول إلى ما دون خط الجنون بكثير.
فهل وصل الشعب الإسرائيلي إلى هذه الدرجة من الهلوسة والهستيريا؟ هل رأيتم صور أشلاء القتلى في غزة؟ وهل سمعتم عن شعب يمنع شعبا آخر من الماء والكهرباء والغذاء والدواء؟ ترى ألن تزيدهم حادثة القدس قبل يومين والتي خلفت العشرات من الإسرائيليين بين قتيل وجريح على يد رجل واحد رعبا في قلوبهم أو يؤدي بهم إلى مزيد من الجنون والهستيريا وبالتالي إلى مجازر جنونية أخرى!!
ممكن جدا، بناء على ردود فعلهم الهستيرية السابقة، لكننا نتمنى الشفاء العاجل للجميع.
جامعة الإمارات