مثلما دخلت إلى شرق جباليا في قطاع غزة، يوم الأربعاء قبل الماضي السابع والعشرين من فبراير بدء جولة ما أسماه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فلنائي بالمحرقة، خرجت قوات الاحتلال الإسرائيلي تحت اعتبار ما أسماه الناطق باسم الجيش بإعادة الانتشار، لتكون قد انتهت حلقة من حلقات الحرب المفتوحة على ما يسمى بـ «الإرهاب» الفلسطيني التي أعلنها أكثر من مرة ايهود أولمرت.
الحلقة المقصودة استمرت خمسة أيام قتالية، لتحصد حتى كتابة هذا المقال نحو مئة وثلاثين شهيداً، غالبيتهم العظمى من المدنيين، وثلثهم من الأطفال، فيما تتوزع بقية العدد بين شيوخ ونساء، ومقاومين فضلاً عن نحو ثلاثمائة وخمسين جريحاً، قسم منهم مرشح للالتحاق بالشهداء، والقسم الأكبر مرشح لمتابعة حياة صعبة بسبب إعاقة دائمة.
ولاستكمال تصوير المشهد الذي خلّفه العدوان، وتقصير الكتابة كثيراً عن استظهار تفاصيله المؤلمة، نتحدث عن المنطقة التي جرى اجتياحها، وكأنها تعرضت لزلزال بقوة مدمره، فيما تظهر في المشهد مبان جرى تدميرها على رؤوس من فيها، اعتبرتها القوة الاحتلالية الغاشمة مواقع عسكرية، وتستحق الأولوية من حيث الاستهداف على الكثير من المراكز والمؤسسات العسكرية وشبه العسكرية في قطاع غزة.
إسرائيل بررت عدوانها بجملة من الاستهدافات الكاذبة لتحرف الأنظار عن حقيقة ما تريد تحقيقه من أهداف سياسية بعيدة المدى، وتتصل بمصير القضية الفلسطينية، وخيار السلام، وبوحدة الجغرافيا والشعب والسياسة الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.
تحدثت المصادر الإسرائيلية عن أن العملية تستهدف وقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية، وملاحقة مطلقيها والمسؤولين عن اتخاذ القرار، وتحدثت عن تصفية حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، واعتبرت ذلك جزءاً من واجبها في محاربة ما تسميه بـ «الإرهاب»، وهددت باغتيال مسؤولين وقياديين سياسيين.
العملية العسكرية الإسرائيلية بدأت تحت هذه الذرائع، ولم يكن ثمة سبب مباشر يستدعي القيام بها إن كان الأمر مرتبطاً بإطلاق صواريخ، فلقد كان وفد من حركة حماس قد التقى قبل العملية في العريش بوفد أمني مصري، جرى خلاله بحث موضوع التهدئة من بين موضوعات أخرى، وكان على رئيس المخابرات المصرية عمرو سليمان أن يشد الرحال إلى إسرائيل من أجل فحص إمكانية تحقيق تهدئة.
في الواقع الحكومة الإسرائيلية ليست في وارد القبول بأي تهدئة لا مع حركة حماس التي أبدت استعدادها لذلك أكثر من مرة ولا مع الرئيس محمود عباس الذي عاد وطرح مبادرة للتهدئة المتزامنة والمتبادلة في الضفة وغزة، بعد العملية العسكرية الإسرائيلية. لكن كل هذه الاستعدادات قوبلت برد مباشر من وزير الدفاع أيهود براك الذي أكد أن حكومته ستواصل اعتداءاتها العسكرية.
في هذا الإطار علينا أن نركز على الأهداف الحقيقية التي تسعي إسرائيل وراء تحقيقها وليس من بينها تصفية حركة حماس، أو إنهاء الانقسام الفلسطيني، أو إعادة احتلال قطاع غزة، أو حتى تحقيق تهدئة لإسكات الصواريخ الفلسطينية.
أول هذه الأهداف يتصل بحماية وتأمين تواصل الائتلاف الحكومي القائم، والذي أخذ يتعرض لعملية تحريض واسعة من قبل اليمين المتطرف، الذي يتهمها بالتقصير والتهاون إزاء أمن البلدات الإسرائيلية، وأيضاً بالتهاون إزاء مواجهة ما يسمى بـ «الإرهاب» الفلسطيني خصوصاً في قطاع غزة.
لذلك كان على الحكومة أن تظهر قدراً واضحاً من التشدد والتطرف، الذي بدا واضحاً في طبيعة الهجمة الأخيرة، والتي بدت خلالها قوات الاحتلال المحمية من المستوى السياسي وكأنها مستعدة لتجاوز كل ما فعله السابقون من حيث استهداف المدنيين بصورة واسعة، والتعامل مع المباني السكنية الآهلة كأهداف عسكرية.
ثاني هذه الأهداف، يتصل بنوايا حكومة أولمرت إزاء تعطيل المفاوضات ووقف العملية السياسية الجارية بصعوبة، ذلك أنها تدرك بأن حجم عدوانها سيدفع الرئيس الفلسطيني لتعليق المفاوضات، التي كان يفترض تعليقها من قبل الفلسطينيين قبل ذلك حين أصرت الحكومة الإسرائيلية على متابعة الاستيطان بصورة موسعة خصوصاً في القدس.
وبالرغم من إن إسرائيل لم تتقدم سنتيمتراً واحداً إزاء الالتزام بالأسس التي جرى الاتفاق عليها في آنابوليس من حيث تنفيذ الالتزامات الواردة في خارطة الطريق، بل واستدعت العديد من الممارسات والسياسات الصعبة، فقد تحمل الجانب الفلسطيني ذلك إلى أن لجأت إسرائيل إلى التصعيد العدواني الأخير، فكان من الصعب على السلطة القبول باستمرار واقع الحال.
هكذا تكون إسرائيل قد ألقت الكرة في الملعب الفلسطيني حيث بدت أمام وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بأنها حريصة على استمرار المفاوضات وأن الفلسطينيين هم من يرفض استمرارها.
وهكذا أصبحت إسرائيل صاحبة حق في الدفاع عن النفس باعتبار أن حماس هي من تتحمل مسؤولية العنف كما تقول رايس، التي تطالب السلطة بالعودة للمفاوضات فيما لم تفعل رايس شيئاً إزاء سلبية إسرائيل وسياسات الأمر الواقع التي كانت وما تزال السبب في تعطيل المفاوضات، ما جعل رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع يقول إن العملية السلمية دفنت تحت أنقاض البنايات التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في غزة.
وفي ظل إصرار إسرائيل على متابعة العدوان الذي تواصل على غزة بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على توقفه، وكذلك في الضفة الغربية، فإن السلطة الفلسطينية تكون في وضع لا تحسد عليه، وقد تتعرض لضغوطات أميركية وأوروبية من أجل العودة إلى مائدة المفاوضات بدون أن تكون إسرائيل أوقفت العدوان أو الاستيطان.
رابع هذه الأهداف يتصل برؤية إسرائيلية تفترق مع كل المبادرات المطروحة في السوق من أجل السلام، وهي رؤية تعود إلى خطة الفصل أحادي الجانب التي كان طرحها شارون في بداية عهده، وورثها عنه أيهود أولمرت وحزب «كاديما».
الخطة تفترض بعد خروج القوات الإسرائيلية والمستوطنين من قطاع غزة في سبتمبر 2005، أن تتخلص إسرائيل من كل مسؤولياتها تجاه القطاع، الذي شكل قرارها باعتباره كياناً مستقلاً، بداية لفصل وعزل القطاع كلياً ونهائياً عن إسرائيل وعن الأراضي الفلسطينية المحتلة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
الحصار الذي تفرضه إسرائيل يتكامل مع العدوان ليشكلا معاً حالة ضغط شديد جداً تدفع الناس في القطاع نحو مصر لتلبية حاجياتهم، وهو ما صمتت عنه إسرائيل. إن إسرائيل تحاول تأبيد الانقسام الفلسطيني الذي يتعمق يوماً بعد آخر، وستعمل بعد ذلك على تطبيق خطة الفصل في الضفة لتلقي بنحو 42% من أراضي الضفة مع سكانها إلى حيث يشاءون.
هكذا تكون إسرائيل قد دمرت القضية الفلسطينية وتخلصت من مشكلة القدس واللاجئين وغيرها من ملفات التسوية الدائمة، ومن كل مجرى التسوية والمبادرات المعروفة حتى الآن. فوق كل هذا، يكون العدوان الإسرائيلي أول مؤشرات الحرب القادمة التي على الجيش الإسرائيلي أن ينتصر فيها ليعوض خسارته في الحرب على لبنان، بناءً لتوصية تقرير لجنة «فينوغراد».
ما يعني أن المنطقة مقبلة على المزيد من جرائم الحروب الإسرائيلية، ويبدو أن الإدارة الأميركية التي تدرك أبعاد ما تقوم به إسرائيل، ما تزال تتستر على الأهداف الحقيقية لكل ما تقوم به حكومة أولمرت، فيما يبقى حديث بوش المتفائل عن إمكانية تحقيق تسوية مجرد رش السكر على الموت.
كاتب فلسطيني