بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقينا النبأ المؤلم بوفاة الكاتب الكبير والصحافي المعروف والأكاديمي المغفور له بإذن الله (أحمد الربعي). أمام هذا الحدث الجلل عاد بي شريط الذكريات للمواقف والتجارب التي جمعتني بأخي العزيز فقيدنا (أبو قتيبة).

كان أول عهدي به عندما قدمت للدراسة في جامعة الكويت في بداية السبعينات حيث أبلغني صديق كويتي مشترك وهو الأخ العزيز (ناجي عبدالعزيز المعود) رئيس الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في ذاك الوقت أن الأخ (أبو قتيبة) يرقد في مستشفى الصباح وذهبنا سوية لمعاودته وكان هناك تعارفنا الأول.(ابو قتيبة) حتى في أحلك ظروفه وهو في المرض، كان ذلك الشاب المتقد بالحيوية ذا الفكر المشع والروح الطيبة التي تأنس له ويدخل قلبك بدون استئذان ومن هناك كانت صداقتنا وإلى أن وافته المنية.

كانت تلك الفترة من ظروف (أبو قتيبة) صعبة وكان قد انقطع عن دراسته الجامعية بسبب مشاركته ضمن المد القومي الذي يجمعنا عمله المشترك في الوطن العربي في تلك الفترة ونحن نشهد قيام العديد من الدول العربية الفتية التي نالت استقلالها حديثاً في الستينات وبداية السبعينات، وعندما عاد أخي (أحمد) لإكمال ما تبقى من دراسته الجامعية سعدت بأن تزاملنا في غرفة واحدة في سكن الشويخ الجامعي، وبذلك توطدت صداقتنا أكثر.

تلك الصداقة التي لا تنفصل عراها، إذ غبنا عن بعض على مدى الثمانينات حيث عملت في الجامعة باليمن ثم ذهبت إلى جمهورية تشيكيا لدراسة الماجستير والدكتوراه وهو أيضاً عمل بالجامعة في الكويت ثم ذهب إلى الولايات المتحدة لتحضير الماجستير والدكتوراه.

التقينا مجدداً بعد هذا الغياب الطويل في صنعاء عندما قدم لزيارتنا ضمن وفد جاء في ظروف الاحتلال العراقي للكويت وكان لقاؤنا بنفس المودة والصداقة وكأننا لم نفترق كل هذه السنين بفضل الصداقة المخلصة، وتحدثنا وأخوة آخرون من اليمن حول التضامن مع الكويت الشقيق وسيادته وحريته وصونها.

يجمعنا والمرحوم (أبو قتيبة) منذ البدايات حماس الشباب وانتماؤه للمد القومي لأمتنا العربية الذي كان في أوجه في الستينات والسبعينات ويجمعنا العمل الأكاديمي هو في جامعة الكويت وأنا في جامعة عدن ويجمعنا الكثير الكثير الذي لا تسعفنا العجالة هذه لذكره.

ويمتاز (أبو قتيبة) بصفات يفتخر بها كل من يعرفه، فهو المحب للأدب والشعر وهو الدارس للفلسفة وهو صاحب القلم الرشيق الذي تشهد له كتاباته والمحاور والمتحدث اللبق الذي احتل مكاناً بارزاً في الإعلام العربي وشغل الدنيا.

وهو المستنير الذي اختار أن تكون رسالته في الدراسات العليا تتناول القرامطة إبان الدولة الإسلامية، موضوعاً جدلياً فيه الكثير من الجراءة تعكس روح (أبو قتيبة) في سبر أغوار موضوعات مثيرة للجدل، من منطلق تعامله المستنير مع قضايانا التاريخية والمعاصرة.

وكان (أبو قتيبة) يمتلك طاقة وقادة فعندما أزوره في الكويت أجده في حركة دائمة لا يغيب عن منتدى ثقافياً، أو حفل فرح، أو مواساة عزاء. ومن هنا أدركت كم كان ملتصقا بمجتمعه الكويتي ولذلك لم أستغرب عندما نال ثقة ناخبيه واحتل مقعده في البرلمان الكويتي، ولا حينما تبوأ منصبه كوزير للتربية.

وهو أيضا ذو صداقات متعددة على مدى الوطن العربي والعالم. لقد كان فقيدنا (أبو قتيبة) مناصرا لقضايا الأمة العربية العادلة وفي مقدمتها قضية فلسطين، وفي اليمن كانت له صداقات واسعة ومتزايدة خلال حياته رحمه الله وكان مهتما بالشأن اليمني ومطلعا عليه ولا يفوت فرصة لزيارة اليمن للبقاء على التواصل مع اليمن على مدى الأربعة عقود الماضية، وكنت دائما ما أقول له أنت سفيرا شعبيا للكويت في اليمن وسفيرا شعبيا لليمن في الكويت.

(أبو قتيبة) رحمه الله كان جسرا للعلاقات الأخوية اليمنية الكويتية، ومن ضمن نقاشاتنا الصريحة عن بعض مراحل العلاقات بين بلدينا وما يشوبها من مد وجزر تحدثنا ذات مرة وكعادتنا خارج الرسميات، وكان حديثا من القلب إلى القلب، أن ما قدمته الكويت لليمن من مساعدات أخوية سخية تلقى كل التقدير رسميا وشعبيا.

ولاحظنا أن تعزيز هذه العلاقات الأخوية إلى جانب أهمية مد يد العون، من المهم أن تتوثق من خلال إحدى المجلات التي لاحظنا أنها لم تأخذ حقها في السابق وتحتاج لمزيد من الجهد المشترك وهو المجال الثقافي حيث للبلدان العربية تراث ثقافي مشترك من شأنه أن يوثق أواصر الأخوة وخاصة بين بلدينا اليمن والكويت لما يجمعهما من ألوان الأدب والفن المتقارب جداً.

وفعلا كانت هذه قناعتنا أن هذا المجال في العلاقة ما زال يحتاج لبذل الكثير من الجهد على هذا الصعيد إلى جانب تعزيز المصالح المشتركة بين بلدينا وسائر الدول العربية، وهي تخلق أساسا ماديا متينا أقوى من بعض الجوانب العاطفية التي يسهل على الأزمات وما أكثرها في وطننا العربي أن تعصف بها وتخذلنا عند أول منعطف حاد على طريق التعاضد والأخوة بين أبناء الأمة العربية.

الذكريات كثيرة كثيرة ولا يغيب (أبو قتيبة) رحمه الله عن البال ولن يغيب عنا بمواراته الثرى، ستظل ذكراه عطرة وروحه الطيبة تخيم فوق رؤوسنا. وللإستدلال على حضوره الدائم معنا أذكر الواقعة هذه عندما ذهبت في أواخر عام 1992، ضمن وفد برئاسة وزير الخارجية اليمني إلى سلطنة عمان الشقيقة لتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود اليمنية العمانية.

وكان ضمن البرنامج عدد من الزيارات منها إلى المعلم التاريخي قلعة كوت الجلالي بمسقط وكنا نطوف فيها وفي مقدمتنا وزيري خارجية اليمن وعمان وتذكرت أخي العزيز (أبو قتيبة) وقلت على مسمع من الجميع (من هنا مر الدكتور أحمد الربعي).

عندما عملت دبلوماسياً في دولة الإمارات العربية الشقيقة شرفني بالزيارة مرات عديدة وأخذ بيدي لإنجاح مهمتي في توطيد العلاقات الأخوية الإماراتية اليمنية، لما له من مكانة واحترام في الأوساط الإماراتية، فعرفني على العديد من أهل الإمارات الكرام من شيوخ ورجال أعمال وأكاديميين وكتاب وأدباء وصحافيين وغيرهم، كان ذلك التعارف عونا لي خلال تلك الفترة حيث كونت منها صداقات مع أخوة إماراتيين أعتز بهم ما حييت.

كان أصعب لقائي «بأبي قتيبة» عندما داهمه المرض العضال وكان يتعالج في بوستن بالولايات المتحدة وذهبت لزيارته في صيف عام 2006، الأمر كان صعباً بالنسبة لي أما هو الذي تعرض للمرض كانت قامته كبيرة لا يرى الصعوبة في المرض العضال الذي أصابه.

وجدته يقاوم المرض بشجاعة، وحينها تساءلت كم استطيع أنا أن أحذو حذوه، إذا ما واجهتني نفس الظروف، ووجدت إلى جانبه «أم قتيبة» التي تعرفت عليها لأول مرة تلك الزوجة الوفية والأبناء والبنات الصحالين الذين يلتفون حول رب الأسرة الذي يستحق الوفاء والتقدير.

وكما عهدته فقد بادرني على الرغم من ظروف المرض بإصراره على أخذي بجولة ليعرفني على معالم بوستن وهي المدينة المليئة بالجامعات والكليات ذات الشهرة العالمية مدرك ما لذلك من أهمية لما يجمعنا من خلفية أكاديمية، ولكوني أزور بوستن لأول مرة.

وذهبنا إلى جامعة «هارفارد» التي حصل على الدكتوراه منها وقفنا كثيراً في ساحتها وعندما اقتربنا من مكتبتها العريقة وقفنا أمامها وكان يستعيد ذكريات دراسته العليا فيها من باب الاعتزاز بهذا الصرح العلمي، وليس ضعفاً أو استسلاماً للمرض العضال، لأنه كان بالرغم من كل ذلك مليئاً بالحياة والحيوية مقبلاً عليها بشغف.

ولذلك أصر أن نجلس في إحدى ساحات الجامعة في ذلك الجو الصيفي الجميل وكانت الساحة مليئة بشباب وشابات الجامعة بعضهم يتجاذب الحديث وبعضهم يعزف على قيثارته وحينها حدثني عن إحدى ذكرياته في هذه الجامعة وهي أنه تزامل فيها مع الشيخ «محمد الصباح» وزير خارجية الكويت مشيداً بمناقب «الشيخ محمد».

ثم عرجنا على مقهى الجزائر الذي كان يحدثني قبل أن نصل إليه عن شخصية صاحبه العربية وكم كان سعيداً عندما وصلنا إلى المقهى وجدنا صاحبه كما وصفه لي وان كان قد تقدم به السن، مهاجر عربي بالرغم من كل السنين الطويلة من الهجرة إلا أنه ما زال ذلك الشخصية الذي يعتز بعروبته ويرتدي كوفيته التقليدية.

قال لي «أبو قتيبة» ان كل زاوية من هذا المقهى لو تنطق لشهدت على العديد من الاجتماعات الطلابية للطلاب العرب الذين يرتادون المقهى والذي نظمت خلال تلك الاجتماعات الكثير من المظاهرات والاعتصامات المناصرة للقضايا العربية. ذكريات مليئة بالمناقب لصفات المرحوم والمواقف الجريئة لا تنتهي وما جئنا على ذكره إلا نذراً يسيراً.

تغمد الله فقيدنا «أبو قتيبة» برحمته واسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه وأصدقاءه الصبر والسلوان.

رئيس بعثة الجامعة العربية في نيودلهي

a_wahishi!@yahoo.com