في نوفمبر عام 1998م اجتمع «بيل جيتس» صاحب شركة مايكروسوفت وزوجته «ميليندا» في بيتهما مع مجموعة كبيرة من العلماء حول طاولة العشاء لمناقشة كيفية التغلب على مشكلة حرمان أكثر من 30 مليون طفل حول العالم من اللقاحات الضرورية للحفاظ على حياتهم.

وبعد أكثر من ساعتين من النقاش وقبل نهاية السهرة طلب جيتس وزوجته من العلماء أن يذهبوا إلى بيوتهم ويفكروا في حلول جذرية، وقبل أن ينصرفوا قال لهم جيتس: «لا تخافوا من الأفكار الكبيرة». وفي يوليو عام 1999م أطلق جيتس وزوجته صندوقا أطلقا عليه اسم «التحالف العالمي للقاحات والتحصين» - واقتراحه يهدف إلى توفير اللقاحات الضرورية لأمراض خطيرة مثل الملاريا والحمى الصفراء.

كما خصص جزءا من ميزانية التحالف للبحث العلمي الرامي إلى إيجاد لقاحات جديدة وأكثر فاعلية. وبحلول نهاية ذلك العام استطاع جيتس أن يؤمن مبلغ 750 مليون دولار لتصرف على دعم التحالف خلال خمس سنوات، وقال: لم يعد هناك عذر لكي لا نصل لجميع الأطفال المعوزين للقاحات الضرورية في العالم، وعلى غرار ذلك انخرطت منظمات عالمية كاليونيسيف والبنك الدولي ومنظمات دولية أخرى في تلك المهمة.

ثم دعيت أفقر 75 دولة إلى اجتماع لوضع خطة لمحاربة نقص اللقاحات الضرورية، وشكّلت لجنة مستقلة لتقييم العروض المقدمة من كل دولة ومن ثم قام القائمون على التحالف باختيار أكثر العروض جدية وقدرة على الوصول إلى أكبر شريحة من الأطفال المعوزين.

وفي عام 2005 قام جيتس بتأمين 750 مليون دولار أخرى للتحالف لتصرف على مدى عشر سنوات، كما تم تأسيس ذراع تمويلية لتأمين مبالغ أخرى لسد الحاجة المتفاقمة في الدول المنكوبة وخاصة الدول الأفريقية التي أعياها المرض وفتك بأطفالها الموت.

وبالتعاون مع «جوردون براون» رئيس وزراء بريطانيا الحالي تمكنت هذه الذراع التمويلية من تأمين 5. 3 مليارات دولار عن طريق تحفيز الدول الأوروبية الكبرى كبريطانيا وفرنسا على المساهمة بمبالغ مالية كبيرة لمنح أطفال أفريقيا فرصة للبقاء على قيد الحياة.

واليوم تشير الدراسات إلى أن التحالف قد استطاع منذ تأسيسه أن ينقذ حياة 7. 1 مليون طفل، وقدم لقاحات لأكثر من 130 مليون طفل. وفي خطته العشرية القادمة فإن التحالف يسعى إلى إنقاذ حياة 5 ملايين طفل حول العالم. عندما ينظر المرء إلى أبنائه كل يوم، فإنه لا يستطيع أن يستوعب بأنهم قد يكونون عرضة لخطر الموت في أية لحظة بسبب المرض أو الجوع، إلا أن هناك أناسا لا يفتؤون يعيشون هذا الهاجس كل يوم.

حيث تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن هناك 10 ملايين طفل يموتون سنويا قبل وصولهم إلى سن الخامسة بسبب المرض. وأكثر من 4. 1 مليون طفل يموتون سنويا بسبب أمراض يمكن تجنبها باستخدام لقاحات موجودة في الدول الغنية فقط.

أما الجوع فهو العدو الذي تحالف مع الموت ضد الأفارقة على وجه الخصوص، حيث يعيش أكثر من 5. 2 مليار شخص على أقل من دولارين في اليوم، ويعاني شخص من كل ثمانية أشخاص في العالم من المجاعة طوال حياته.

لقد اكتشف بيل جيتس عن طريق مؤسسته السامية «مؤسسة بيل وميليندا جيتس» التي أسسها عام 2000 بأن معظم الفقراء في العام يقتاتون من الزراعة، لذلك قام بالتعاون مع شركاء كثر حول العالم بالاستثمار في التنمية الزراعية في الدول الفقيرة لانتشال أكبر عدد ممكن من الناس من الفقر والمجاعة.

فكما يقول الزوجان فإن هدفهما يكمن في تقليل «الإجحاف» في حق البشر أينما كانوا، لأنهما يؤمنان بأن لجميع البشر قيمة متساوية بغض النظر عن أية اعتبارات جنسية أو وطنية أو عرقية، ولأنهما نجحا بتميز في تحقيق أهداف إنسانية عملاقة فإنهما ألهما العديد من صانعي الخير الأمريكان ليحذوا حذوهما.

فلقد قام «وارن بافت» في عام 2006م وهو ثاني أغنى رجل في العالم بعد جيتس آنذاك بالتبرع بمبلغ 7. 30 مليار دولار لمؤسسة جيتس ليصل قيمة وقف المؤسسة إلى 7. 38 مليار دولار، واشترط لكي تبقى هذه الأموال في حوزة المؤسسة أن يكون أحد الزوجين جيتس على قيد الحياة وأن يشارك أحدهما في إدارة المؤسسة بشكل مباشر.

أحد القطاعات القريبة من قلب جيتس هو التعليم، وبالتحديد فإنه يحلم بجعل المعلومة متاحة لجميع الناس، فقام في عام 1997م بإطلاق مشروع لتسليح المكتبات العامة في المناطق النامية في أمريكا بأجهزة كمبيوتر متصلة بالإنترنت، وبعد البحث والدراسة اكتشف بأن هناك 11000 مكتبة بحاجة لأجهزة.

وبدأ العمل بالتعاون مع شركتي مايكروسوفت وجيتواي، واستمر حتى عام 2003م لتكون الحصيلة 47000 كمبيوتر موزعين على 11000 مكتبة عامة، بالإضافة إلى تدريب أمناء تلك المكتبات على استخدام وصيانة الأجهزة، وتم إطلاق مركز اتصال في سياتل لتوفير الدعم الفني لجميع المكتبات المشتركة في المشروع.

عندما بدأ هذا المشروع كانت أقل من 30% من المكتبات العامة في أمريكا مزودة بأجهزة كمبيوتر متصلة بالإنترنت، وفي عام 2005 ارتفعت النسبة إلى 6. 99% بسبب هذا المشروع فقط. في موزمبيق كان هناك رجل يدعى «نيونوزا» لديه طفلان، أحدهما يبلغ من العمر سنتين، وفي يوم ما اجتاحت قريته موجة من الحصبة حصدت معها روح ذلك الطفل، وبعد سنتين اجتاحت القرية موجة ثانية من الحصبة لتغتال طفلته الثانية التي كانت تبلغ من العمر أربع سنوات.

نيونوزا لم يكن في حاجة إلى مسجد، ولكنه كان في حاجة إلى لقاح، فعلى الرغم من اكتشافه عام 1963م إلا أنه لم يصل حتى اليوم إلى قرية نيونوزا. عندما يتبرع العرب فإنهم يبحثون عمن يبني لهم مسجدا أو يحفر لهم بئرا ليكون لهم صدقة جارية، وهم بذلك لا يفكرون في أثر تلك الصدقة، ولكنهم يفكرون في الفائدة التي ستعود عليهم بها - حتى وإن كانت فائدة أخروية - ويكتفون بذلك القدر من المساعدات الإنسانية.

ومن يتحمس منهم فإنه يبني إلى جانب المسجد مدرسة لأطفال الحي على أن تكون مدرسة للمسلمين فقط، وقليلون هم العرب الذين قادوا مبادرات عالمية للحد من شقاء الإنسانية في إحدى بقاع العالم. لقد أدار جيتس ظهره لشركة مايكروسوفت التي غير بها وجه العالم، وتفرغ لمؤسسته الخيرية لأنه يريد أن يقدم شيئا مفيدا للبشرية، وليكرس حياته من أجل أناس لا يعرفهم ولن يعرفهم أبداً.

لا شك أن بناء المساجد وحفر الآبار من الأعمال الخيرية المشكورة، إلا أنها ليست بالضرورة أفضل الأعمال، فكما أن الله يبني لمن بنى مسجدا بيتا في الجنة، فإنه أيضا أدخل الجنة رجلا سقى كلبا شربة ماء. وقديما قال تشارلز ديكنز: صحيح أن العالم كان موجودا قبلك، ولكن عليك ألا تتركه كما كان عندما أتيت إليه.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com