يختلف الفقه القانوني حول ما إذا كان الاعتراف بالدولة منشئاً لها أم إنه مقرر لوجودها؟. هناك من يقول إن الأصل هو تمتع الدولة بالشخصية الدولية بمجرد استقرار عناصرها الأساسية، الشعب والسلطة والإقليم، وذلك بغض النظر عن الاعتراف بها من عدمه.

لكن بعض الفقهاء يعتقدون أن شخصية الدولة تبقى دون الاعتراف ناقصة، ويذهبون إلى أن الاعتراف منشئ ومقرر في الوقت ذاته.. ويتساءل هؤلاء عن الكيفية التي ستتفاعل بها دولة ما مع محيطها الإقليمي والدولي، في عالم شديد التواصل والتداخل والاعتمادية المتبادلة، إن لم يتوفر لها حدا معقولا من الاعتراف على هذين الصعيدين؟.

والحق أن عدم الاعتراف غالباً ما يؤشر إلى موقف سلبي وربما عدائي تجاه الدولة المقصودة بهذا الإجراء. وفي حالات بعينها، يتأسس هذا الموقف على موجبات وأسباب بالغة الحدة والصلابة، تصل إلى التشكيك في أحقية الدولة في الوجود ومنازعتها حول أحد أهم مقوماتها الرئيسة، كالإقليم الذي تستحوذ عليه وتدعيه لنفسها. المقاربة العربية بعامة والفلسطينية بخاصة لقضية الاعتراف بإسرائيل تبدو وثيقة الارتباط بمثل هذه الموجبات والأسباب.

فطالما استبطنت هذه المقاربة الاعتقاد بأن إسرائيل ليست أكثر من كيان أو تجمع استيطاني نشأ وارتقى بالقوة العارية والمدد الخارجي على أرض لا يمتلكها. ومع أن هذا الكيان يستحوذ على المكونات الشهيرة الثلاثة للدولة، إلا إنه يعاني الغياب الكامل لعنصر أو مقوم رابع هو «الأحقية التاريخية» في الإقليم الذي ينهض عليه.

هذا التصور وما يرتبط به من قناعة وسلوك فعلي، جوهرهما حجب الاعتراف العربي طويلاً عن إسرائيل، كان مزعجاً لهذه الأخيرة لكن ليس إلى درجة اعتباره مسألة حياة أو موت بالنسبة لها. ذلك بالنظر إلى التصدع البنائي العام الذي لحق بأحوال المدعي الأساسي بالحق التاريخي والقانوني المضاد، وهو الشعب الفلسطيني.

لعشرات السنين تطلعت إسرائيل للاعتراف العربي بها والتطبيع معها، غير أنها أرادت هذا الهدف بشروطها ومارست حياة الدول مع غير العرب بمعزل عن هذا الاعتراف. وفي هذا الإطار ذاته، خاضت إسرائيل على مدار الثلاثين عاماً الأولى بعد إعلانها حروباً مع الدول العربية، كما اقترفت اعتداءات واحتلالات، وقامت بانسحابات وأبرمت هدنات عبر وساطات ومفاوضات غير مباشرة. حدث هذا وغيره قبل اعتراف أول دولة عربية بها وتوثيقه عام 1979.

وقوع هذه الظواهر ينفي فكرة أن الاعتراف العربي منشئ لإسرائيل. الأقرب للفهم أن هذا الاعتراف كان ومازال مطلوباً لتقرير وجودها وتعزيزه، وتخفف عواصم كثيرة في عوالم الآخرين من الأعباء والقيود التي ألقاها عليها موقف عدم الاعتراف العربي وهي تحاول التعامل معها.

والأهم أن الاعتراف العربي كان من شأنه ومازال المشاركة في كبح تطور الحقيقة الفلسطينية وتقييد الفلسطينيين ولجم طموحاتهم ودعاواهم المضادة على طول الخط لوجود إسرائيل. ولأن الدول العربية اضطلعت بعمليات الكبح والتقييد هذه طويلاً حتى في ظل سياسة عدم الاعتراف، فإن إسرائيل لم تحفل كثيراً بهذه السياسة.

لنلاحظ مثلاً كيف صدر القرار 242 دون نص صريح على الاعتراف المتبادل بين هذه الدول وإسرائيل، وكذا دون الاستطراد ولو تلميحاً إلى قضية التطبيع. ونظن أنه لو تطرق القرار إلى الأبعاد السياسية للقضية الفلسطينية لكان لإسرائيل مع مسألة الاعتراف العربي بها شأن آخر.

لقد تحدث 242 عن «حدود آمنة ومعترف بها» وعن تسوية لـ «قضية اللاجئين». ويقينياً فهمت إسرائيل أن تحقق هذين الهدفين يجب ضمنياً تأثير سياسة عدم الاعتراف العربي بها، إذ أين النقيض المباشر لوجودها على الأرض التي يدعوها البعض فلسطين؟. بمعني أنه سواء على العرب اعترفوا أم لم يعترفوا بإسرائيل، فإنها تبقي الحقيقة الدولية الوحيدة على هذه الأرض.