كان شهاب التميمي نقيب الصحافيين العراقيين آخر من سقط شهيد مهنته حيث فقدته الصحافة العراقية منذ بضعة أيام بعد أن أردته أيادٍ آثمة صريعاً وهو يغادر مقر النقابة الواقع في منطقة الوزيرة في العاصمة بغداد. هذا الشيخ الصحافي لن يكون الشهيد الأخير في مسلسل الدم الذي تضطلع بدور البطولة على مسارحه قوى الشر والظلام، مسلسل لا تستطيع أجهزة الدولة العراقية التنصل من مسؤولية مواجهته.

تتضارب الأنباء عن عدد من سقط شهيداً من العاملين في مهنة الإعلام في العراق منذ سقوط النظام السابق في التاسع من إبريل 2003، فهنالك أرقام متباينة صدرت عن جهات عديدة داخل العراق، إلا أننا سنعتمد على المعلومات الواردة في التقرير الذي أعدته لجنة حماية الصحافيين وهي لجنة مستقلة غير ربحية تأسست عام 1981 تعمل على ضمان حرية الصحافة في العالم.

تعريف اللجنة لضحية مهنة الإعلام هو: من يقتل في عمليات انتقامية أو خلال تبادل إطلاق النار حين يقوم بتغطية حدث معين، وهي لا تعتبر الإعلاميين الذين يفقدون حياتهم في حوادث أخرى مثل اصطدام سيارة أو سقوط طائرة ضحايا لمهنة الإعلام إلا إذا كان هذا الحدث بتدبير فاعل وليس بسبب عطل فني طارئ، وكذلك تستثني من يتوفى منهم بسبب اعتلال صحي.

فمنذ سقوط النظام السابق في التاسع من أبريل 2003 بلغ عدد ضحايا الإعلاميين (127) قتيلاً، قتل منهم بشكل مباشر (83) وقتل (44) في عمليات تبادل اطلاق النار أو عمليات عسكرية أخرى. ويعمل (49) من هؤلاء لصالح منظمات إعلامية عالمية في حين يعمل (78) منهم لصالح منظمات إعلامية عراقية.

فقد قتل (14) إعلامياً في عام 2003 و(24) في عام 2004 و(23) في عام 2005 و(32) في عام 2006 و(32) في عام 2007 و(2) في عام 2008. وينتمي هؤلاء الضحايا إلى عدة بلدان: (105) من العراق و(13) من الدول الأوروبية و(3) من الدول العربية و(2) من الولايات المتحدة و(5) من دول أخرى.

حيث يبلغ المجموع هنا (128) بفارق إعلامي واحد عن الرقم المذكور آنفاً وذلك لأن أحد الإعلاميين يحمل جنسية عراقية وأخرى سويدية لذلك ورد اسمه مرتين في عملية الإحصاء. أما بالنسبة لجنس هؤلاء الصحافيين فإن فيهم (117) ذكراً و(10) إناث.

أما ظروف مصارعهم فمختلفة، فقد سقط (98) من هؤلاء قتلى في تبادل إطلاق النار أو في تفجيرات انتحارية أو في عمليات قتل مباشرة، كما سقط (16) منهم برصاص أطلقته القوات الأميركية ( لم تجد اللجنة التي أصدرت هذه الإحصائية ما يثبت بأن القوات الأميركية قد استهدفت هؤلاء)>

وسقط (3) بنيران القوات العراقية خلال تبادل إطلاق النار أثناء العمليات التي صاحبت احتلال العراق، وسقط (1) برصاص القوات العراقية بعد الاحتلال وسقط (9) آخرين في عمليات غير محددة المصدر. أما المهن التي كان هؤلاء الضحايا يمارسوها في الحقل الإعلامي فهي: (32) مصوراً صحافياً و(79) مراسلاً ومحرراً و(9) منتجين و(7) فنيين.

وقد سقط (74) من هؤلاء في محافظة بغداد و(18) في الموصل و(8) في الأنبار و(6) في أربيل و(5) في ديالى و(5) في صلاح الدين و(3) في كركوك و(3) في البصرة، وسقط صحافي واحد في كل من العمارة وكربلاء والنجف والسليمانية وصحافي آخر لم تستطع اللجنة التحقق من مكان مصرعه.

ولعل من المفيد مقارنة عدد ضحايا الإعلام في العراق بسبب الصراعات الجارية فيه مع ضحايا الإعلام في صراعات أخرى في مناطق أخرى من العالم. فوفق ما نشر عن منتدى الحرية، وهي منظمة محايدة تتخذ من واشنطن مقراً لها وتدعم حرية الصحافة وحرية التعبير تأسست عام 1991 كوريثة لمؤسسة إعلامية سابقة تأسست عام 1935 نجد الأرقام التالية:

قتل في الأرجنتين خلال فترة حكم الجنرالات (1976-1983) (98) إعلامياً، وسقط في الحرب الفيتنامية (1955-1975) (66) إعلامياً، وفي الحرب الكورية قتل (17) إعلامياً، أما في الحرب العالمية الثانية فبلغ عدد الضحايا (68) إعلامياً.

على الرغم من أن الجهة التي أصدرت الإحصائيات عن ضحايا الإعلام في العراق لم تجد ما يبرر اتهام القوات الأميركية في استهداف الإعلاميين في (16) حالة، إلا أن جهات عديدة قد فعلت ذلك. فقد قامت صحيفة كريستيان ساينس مونيتر في عددها الصادر في الثامن عشر من فبراير 2005 بتلخيص الاتهامات التي وجهت إلى الولايات المتحدة في هذا الخصوص .

حيث احتوى الملخص على التصريحات التي أدلى بها إيسون جوردان، أحد كبار المسؤولين في محطة سي إن إن الإخبارية، في منتدى دافوس في سويسرا عام 2005 والاتهامات التي صدرت عن اتحاد الصحافيين العالمي والتي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية في حينه، وعلى الاتهامات التي وجهتها وكالة الصحافة الفرنسية التي تمتلك شريط فيديو لدبابة أميركية تستهدف فندقاً في بغداد مخصص لإقامة الصحافيين. ولم يخلو التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة صحفيون بلا حدود عام 2004 من اتهام للقوات الأميركية العاملة في العراق بذلك.

ولكن لم استهدف ويُستهدف الإعلاميون في العراق ؟

هنالك أسباب متعددة ومتداخلة وراء مصرع الإعلاميين بسبب تعقيد الوضع السياسي في العراق وتعدد جبهات الصراع وتباين مصالحها، إلا أن أبرز أسباب سقوط هؤلاء الإعلاميين هي:

1- خلال تبادل إطلاق النار في ساحات بعض المعارك التي دارت في العراق وفي هذه الحالة لم يكن الإعلامي مستهدفاً بشكل متعمد.

2- خلال بعض العمليات العسكرية التي جرت في بعض المدن العراقية وحرصت بعض الجهات المسؤولة على حجب ما يجري عن أعين الإعلام، وهنا كان الإعلامي مستهدفاً.

3- خلال الصراعات المسلحة بين القوى السياسية التي تمتلك ميليشيات داخل العراق والتي تحرص على إسكات أصوات بعضها.

4- التخلص من الأقلام الحرة التي تقلق بعض الجهات السياسية أو بعض الأشخاص.

5- لفت انتباه العالم إلى سوء الأوضاع في العراق لتشويه صورة النظام الجديد، فاستهداف الإعلاميين هو عمل إعلامي ملفت تقوم به الجهة التي تستهدفهم. إذ حالما يسقط أحد الضحايا تبادر الجهة التي يعمل لصالحها إلى إبراز ذلك على وسائل إعلامها لتكريمه أولاً ولإدانة العملية ثانياً وإبراز دورها وتضحياتها في سبيل نقل الكلمة أو الحدث ثالثاً، والحقيقة إن ذلك هو ما تريده الجهة المُستهدِفة وهو لفت أنظار الرأي العام إلى ما يجري في هذا البلد

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae