من النوادر الشائعة في روسيا وغير المعروف مصدرها أن الكريملين لا يجلس فيه حاكمان أصلعان متتاليان، بمعنى أن الحاكم الأصلع لابد أن يليه حاكم بشعر، ولا أدري هل هي نبوءة أم طرفة، إلا أن الغريب أنها صادقة حتى الآن منذ قيام الثورة البلشفية عام 1917.

حيث كانت البداية مع لينين الأصلع، تلاه ستالين بشعر، ثم خروتشوف أصلع، بريجنيف بشعر، أندروبوف أصلع، تشيرنينكو بشعر، جورباتشوف أصلع، يلتسين بشعر، ثم بوتين أصلع، ثم بالأمس القريب جاء ديمتري ميدفيدف ذو شعر، ولو استمرت هذه الطرفة أو النبوءة في مصداقيتها فسيلي ميدفيدف رئيسا أصلع، وربما لهذا يتوقع الكثيرون عودة بوتين للحكم في الكريملين بعد ميدفيدف.

أيا كانت هذه النادرة التي لم تخطئ على مدى قرابة قرن من الزمان فإن سؤال عودة بوتين للحكم في الكريملين بعد دورة واحدة من حكم ميدفيدف يطرح نفسه بإلحاح كبير لدرجة أن مسؤولين كباراً في روسيا يؤكدون أن بوتين هو الذي سيفتتح «أوليمبياد سوتشي 2014» في روسيا وهو رئيس.

لقد حقق بوتين خلال فترتي حكمه منذ عام 2000 إنجازات يمكن وصفها بالمعجزات بالمقارنة بالحالة التي كانت عليها روسيا قبل توليه الحكم من تدهور وانهيار حاد، وربما لهذا أجمع الشعب الروسي بغالبيته العظمى على اختيار من اختاره بوتين خليفة له، ولكن الكثيرين ينظرون للشاب الصغير ميدفيدف على أنه سيكون مجرد دمية يحركها بوتين ومن معه، وأن ميدفيدف لن يستطيع أن يفعل أي شيء طيلة فترة حكمه سوى ما يمليه عليه بوتين، وأنه لهذا اختاره باعتباره الأصغر والأضعف.

هذا التصور في الواقع خاطئ بنسبة كبيرة جداً، لأنه ببساطة يعني أن بوتين يطمح للسلطة وفرض النفوذ والتحكم بهدف ضمان العودة للحكم، وهذا أمر يخالف الواقع تماماً لأنه لو كان بوتين كذلك فعلاً لوافق على العروض والمقترحات الكثيرة التي طرحت لبقائه في الحكم من جهات عديدة في روسيا، وكانت موافقته بالقطع ستلقى ترحيباً كبيراً من الشعب الذي طالب ببقائه وبعدم المجازفة بتجربة رئيس آخر.

لقد أجمعت الغالبية البرلمانية في روسيا في سبتمبر الماضي على مشروع قرار بتعديل الدستور ليمنح بوتين فترة رئاسة ثالثة بشكل استثنائي نظراً للظروف التي تمر بها روسيا، ورفض بوتين المشروع تماماً قائلاً »لا يمكن أن يرتبط مصير دولة كبيرة مثل روسيا بشخص أيا كان حتى لو كنت أنا ولست أنا الذي يخالف الدستور«.

وعاد البرلمان يطرح مشروعاً آخر بتمديد فترة ولاية بوتين الحالية لسبع سنوات بدلاً من أربع، ووافقت الأغلبية، وأصر بوتين على الرفض، وأذكر هنا أن الزعيم الأسبق جورباتشوف الذي كان حتى عام 2002 من أشد الرافضين لبوتين صرخ وقال في أكتوبر الماضي «لابد أن يبقى بوتين في الحكم رغم أنفه، لأن روسيا لا تحتمل غيابه الآن بالتحديد»، وخرجت مظاهرات شبابية بأعداد قدرت بمئات الآلاف وجمعت توقيعات قدرت بثلاثين مليون توقيع تطالب ببقائه، ولم يقبل بوتين.

لا يمكن لعاقل أن يتصور أن شخصاً يعشق السلطة يمكن أن يرفض هذه العروض والفرص على أمل أن يعود من خلال انتخابات بعد أربع سنوات لا يعلم أحد ولا حتى بوتين نفسه ماذا سيحمل القدر لروسيا فيها من تطورات وتغييرات في عالم يتغير بين عشية وضحاها.

ولو كان بوتين ينوي ممارسة السلطة في الفترة القادمة من موقع آخر خلف الرئيس لاختار رجلاً عجوزاً مثل رئيس الحكومة زوبكوف، لكنه اختار الشاب ميدفيدف صاحب الطموحات الواسعة الآفاق الذي لا يعرفه الكثيرون في الخارج لأنه لم يكن في الواجهة لكنه بالفعل يملك من الإمكانيات الشخصية ومن الخبرة في إدارة السلطة ربما أكثر مما كان يملكه بوتين نفسه عندما تولى السلطة عام 2000، فقد شغل ميدفيدف عدة مناصب طيلة السنوات الماضية أكسبته خبرة كبيرة وأثبت فيها كفاءة عالية، كما أنه معروف عنه ثقافته العالية وخبراته الواسعة في مجال الاقتصاد والاستثمارات وفي مجال الطاقة بحكم رئاسته لمجلس مديري شركة غاز بروم العملاقة.

ويجمع المحللون والمراقبون في روسيا وخارجها على أن كفاءات ميدفيدف أعلى بكثير من كفاءات بوتين عند توليه الحكم، وأعلى أيضا من الآخرين الذين كانوا مرشحين لخلافة بوتين، بل إن بوتين نفسه لم يتحرج أن يصرح بذلك أكثر من مرة ويقول «لهذا اخترته وهو الأفضل».

أما عن تولي بوتين لرئاسة الحكومة كما قال ميدفيدف وأعلن بوتين موافقته، فأعتقد أنه أمر ليس مؤكد حدوثه وربما لا يحدث، ومازال الوقت مبكراً لتأكيد ذلك، فوجود بوتين رئيساً للحكومة بجانب الرئيس ميدفيدف قد يخلق الكثير من الالتباسات ويثير العديد من الأقاويل حول مصادر القرارات الحاسمة ومن يتحمل المسؤولية عن أخطاء قد تقع، وهو أمر متوقع بطبيعة الحال، الأمر الذي ستسارع جهات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية لتناوله وتضخيمه، وقد يؤدى بالفعل إلى مشاكل غير متوقعة.

لهذا ظني واعتقادي أن بوتين سيبتعد تماماً عن دائرة الضوء، ويترك ميدفيدف يحكم بحرية كاملة مع المؤسسة الرئاسية التي أعدها بوتين بكفاءة ومهارة عالية ولن يتدخل في شؤون الحكم من قريب أو بعيد. أما أن يعود بوتين «الأصلع» للحكم في الكريملين بعد ميدفيدف فهذا أمر لا تحدده النبوءة ولا يمكن حسمه من الآن، خاصة وأن »الصلع« في روسيا كثيرون.

elmoghazy@hotmail.com