بدأت تركيا يوم 21 فبراير الماضي هجوماً برياً شاملاً على مواقع حزب العمال الكردستانى، قيل انه تم بعد تنسيق مع العراق نفسه ممثلاً في الرئيس جلال طالباني، وهو كردي عراقي حيث أكدت تركيا أنها لا تنوي احتلال أي منطقة في كردستان العراق، وقال وزير الدفاع التركي إن الجيش التركي سيعود إلى قواعده في تركيا بعد تحقيق أهدافه، ضد مقاتلي حزب العمال المتحصنين بتلك المناطق .
وقد استمر الهجوم حتى كتابة هذه السطور، وهو يؤكد سعى تركيا إلى البحث عن حل نهائي للمسألة الكردية، كما تؤكد الاتصالات التي جرت بين الجانبين التركي والعراقي قبل بدء الهجوم أن المسؤولين العراقيين أثبتوا أنهم غير راغبين أو غير قادرين على كبح المقاتلين الأكراد الذين يستخدمون بلادهم نقطة تجمع لشن هجماتهم في داخل تركيا حسب التصريحات التركية .
وان كانت طبيعة المسألة الكردية في المنطقة تؤكد أمراً آخر وهو أن هناك مشكلات كبرى تحول بين قيام المسؤولين العراقيين بمهام ضبط حدود بلدهم مع تركيا بما يحول دون استخدامها من قبل حزب العمال الكردستاني لشن هجمات على تركيا، في مقدمة هذه المشكلات التداخل بين أكراد تركيا وأكراد العراق والدور المركزي الذي يلعبه أكراد العراق في مرحلة ما بعد صدام، وخشية النخبة العراقية الحاكمة من سعي أكراد العراق إلى الانفصال الأمر الذي يقيدهم عن أي عمل قد يؤدي إلى غضب الأكراد.
والذي يؤكد عدم معارضة المسؤولين العراقيين للعملية العسكرية التركية ان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري قال إن الجيش التركي أرسل بضع مئات فقط من الجنود إلى جزء ناء شمال العراق لملاحقة متمردي حزب العمال الكردستاني.وأوضح أنه لم يحدث أي هجوم رئيسي أو غزو بري عبر الحدود، وأن ما يحدث هو أن بضع مئات من الجنود الأتراك عبروا الحدود بحثا عن أعضاء الكردستاني أو قواعدهم .
وبالطبع هذا القول غير صحيح لأن الجيش التركي نفذ العملية بقوات قوامها 3000 جندي، أي أن العملية ليست محدودة، ولكن المسؤولين العراقيين لا يريدون وضعها في موضعها الصحيح حتى لا يسبب لهم ذلك إحراجا أمام مواطنيهم .
ومن الممكن القول أن ظروف العملية الأخيرة بعيدا عن أنها تؤكد سعى تركيا لإيجاد حل جذري لمسألتها الكردية انطلاقا من القضاء على حزب العمال الكردستانى، فهي تعطى مؤشرات عن صورة من صور العلاقات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة تقوم على تعاون الدول لمواجهة أخطار مشتركة ولكن في حدود دنيا بما لا يؤثر على توازنات اثنية وقومية وسياسية وثقافية مستقرة في المنطقة منذ إعادة تشكيلها بعد انهيار الدولة العثمانية .
ومن الممكن التكهن بأن هذه المؤشرات تعني أيضا انه سوف تكون هناك حدود على كل الدول في تنفيذ خططها بما يعني أيضا أن قضاء تركيا على حزب العمال الكردستاني سيكون أمراً بعيد المنال وفق هذة المؤشرات الجديدة لان هذا القضاء يتطلب عمليات عسكرية كبيرة لا نعتقد انه يمكن تنفيذها في ظل توافق بين كل من العراق وتركيا.
وان كنا نرى أن وجود رئيس كردي على رأس العراق في الوقت الراهن يسهل مهمة تركيا، ولا يعقدها ولكنها تضع حدودا على العملية برمتها بما يعني أن القضاء على حزب العمال سيكون أمرا من الصعوبة بمكان وتقف دونه عقبات متعددة .
وهنا لابد لنا من التفريق بين أمرين مختلفين تمام الاختلاف، الأول إيجاد حل نهائي لخطورة حزب العمال الكردستاني، والثاني هو إيجاد حل نهائي للمسألة الكردية في تركيا، وبالطبع هناك علاقة بين الجانبين .
فعدم التوصل إلى حل للمسألة الكردية يساهم في إعطاء شرعية لحزب العمال، خاصة لدى الشباب حديثي السن، ويفتح الباب أمام انضمام قطاعات منهم إلى الحزب بما يقوي شوكته، والحاصل أن النزعة القومية التركية، هي التي تقف عائقا أمام التوصل إلى حل للمسألة الكردية في تركيا، حيث تتحجج النخبة التركية بما تطلق عليه مباديء الكمالية من أجل إبقاء الحال على ماهو عليه فيما يتعلق بالمسألة الكردية .
وكان المتوقع أن يحل حزب العدالة والتنمية هذة المسألة لأنه غير ملتزم بالأساطير السياسية التركية، ولكن تشير الأحداث والتطورات إلى أن المؤسسة العسكرية التركية أجبرته على الالتزام بجدول أعمالها فيما يتعلق بالمسألة الكردية، وهذا الأمر يعني أن عدم حدوث أي تعديل على السياسة التركية فيما يتعلق بالمسألة الكردية لكنه في نفس الوقت يؤكد أن تركيا بصدد إعادة إنتاج الأزمة الكردية بها، بما يعني أنها ستظل تدور في حلقة مفرغة فترة ليست طويلة من الوقت .
وبعيدا عن أن الأحداث أكدت أن حزب العدالة والتنمية لم يستطع ان يحدث قطيعة مع السياسات التقليدية إزاء المسألة الكردية، فان ما يحدث على صعيد المسألة الكردية يؤكد ان هناك ثوابت لايمكن تجاوزها ولا التغاضي عنها ويؤكد ان مباديء الكمالية ستظل هي الحاكمة في تركيا حتى وان ادخل حزب العدالة والتنمية بعض الرتوش الصغيرة عليها .
والذي أعطى للجيش هذه القوة هو الاختلاف الاميركي الاوروبي على الموقف من المسألة الكردية، ففي الوقت الذي تتحفظ فيه أوروبا على هذه العملية حيث أعلن خافيير سولانا ممثل السياسة الخارجية بالاتحاد الاوروبي أن العملية العسكرية التركية داخل أراضي العراق لا تشكل ردا ملائما على مشكلة الإرهاب الكردي.وقال إثر اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في سلوفينيا «نتفهم قلق الأتراك» لكن هذا العمل ليس في رأينا الرد الملائم.
كذلك دعت المفوضية الأوروبية أنقرة لتجنب أي عمل عسكري غير متكافئ مؤكدة أنها تتابع عن كثب عملية التوغل البري التي ينفذها الجيش التركي شمال العراق.وقالت المتحدثة باسم المفوضية كريستينا ناجي (الاتحاد الأوروبي يتفهم حاجة تركيا إلى حماية سكانها من الإرهاب ولكن عليها تفادي القيام بعمل عسكري غير متكافئ واحترام حقوق الإنسان ودولة القانون) . فان كل ما تسرب من معلومات يؤكد موافقة الولايات المتحدة على العملية لكنها تريدها ان تكون سريعة .
وبالتالي فان رهان حزب العمال سيكون على دوام العملية أطول فترة من الوقت لان ذلك يمكن ان يغير من الموقف الاميركي ويصبح النظام الدولي في مواجهة تركيا، ولا تتحقق أهداف العملية من جهة وتستمر الأزمة الكردية التي لن يمكن حلها من دون سياسات متعددة المحاور منها السياسي والثقافي والاجتماعي والتنموي والاقتصادي، ولكن النخبة التركية مصرة على الحل أحادي الجانب .
كاتب مصري