ما زالت مسألة رعاية الموهوبين تبدأ ببيئة المدرسة، البيئة الأولى التي تتفتح فيها مدارك الموهوب وتضعه أمام بوابة الأسئلة الإبداعية، مع تفاوت درجات الاهتمام في آخر سلم الأولويات، ومع التغيرات العصرية والتقلبات التي أصابت جوانب العملية التعليمية في المدارس ومع رياح التغيير التقني ووجود التلميذ في حالة استلاب دائمة من جراء ما ينثره عليه الفضاء ووسائل الاتصالات المختلفة من ثقافة استهلاك صار التلميذ يسبح في بحر متلاطم، متروك أمام خيارات الصدف.

وزراء التربية والتعليم العرب أنهوا مؤخراً مؤتمرهم السادس الذي عنونوه بتربية الموهوبين خيار المنافسة الأفضل، وهو عنوان حالم ومبشر، ويحمل ما يحمل من النيات الاستراتيجية الطيبة لمستقبل الموهوبين في أرجاء الوطن العربي.

وخرج عن المؤتمر بيان هو عبارة عن جملة توصيات ثمينة، يتمنى المرء المهتم أن تأخذ مكانها على أرض الواقع، وان تبدأ فعلها الفوري.. ولكن ما نخشاه أن تكون توصيات المؤتمر كسواها من توصيات مؤتمرات سابقة، ليس لها إلا مصير واحد، في أفضل الحالات أن تجمع في مذكرة تعمم على مكاتب التربية، وتطلق طلقة واحدة ثم تتلاشى في الفضاء.

هذا ليس نوعاً من اليأس، ولكن نظرة تربت على واقع مرير من المؤتمرات والتوصيات التي صدرت عبر سنوات طويلة، وراكمت كمّاً كبيراً من الأفكار والمشاريع والوصايا الذهبية، لكنها لم تر النور ولم يتم جني ثمارها حتى الآن.

الموهوب في أرجاء الوطن العربي مهمش ومركون ومنسي، وان التفت إليه، فإنها تكون التفاتة خجل، عاجزة وناقصة عن تلبية أهم الاحتياجات ولا تلبي أدنى متطلبات رعاية الموهبة..فيما كثير من المجتمعات التي أدركت باكراً أن علماءها وعباقرتها يلتقطون التقاطاً من مقاعد الدرس استطاعت ابتكار صنوف من الحاضنات وأنواع من الرعايات الخاصة.

بيان الرياض، وهو العنوان الذي كرس لجملة التوصيات والخلاصات التي خرج بها وزراء التربية والتعليم العرب في مؤتمرهم يحمل مؤشرات مهمة من اجل تهيئة أجواء احتضان للمواهب وجعلهم الخيار الأول والأفضل وتم الاتفاق على ضرورة تطوير خطط عربية لرعاية الموهوبين والطلب من وزارات التربية العربية وضع خطط لاكتشافهم.

والأمة العربية اشد ما تحتاجه اليوم هو عقول أبنائها وقوة أجيالها القادمة في المعرفة والإدراك والإبداع الإنساني، لإعادة الدماء الحية إلى حضارتها والبحث عن مكانة بارزة في هذا العالم الذي اختلط الحابل بالنابل فيه نتيجة سيادة ثقافة استهلاكية تهدد الأجيال العربية في هويتها بالذات.

ليس من باب الشعور باليأس، ولكن لأن كل بارقة أمل تذهب باتجاه تعزيز قدرات الإنسان العربي هي مبعث فرح ومبعث أمل كبير نتمنى أن لا تتوانى الهمم عن تحقيقه.. وبيان الرياض يجب أن يأخذ مساره إلى الوجود ويجب أن نلمس شيئاً منه على صعيد الواقع العملي.

mhalyan@albayan.ae