لم يخطر ببال الكثيرين حتى من السياسيين والمحللين الفلسطينيين، أن الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس في الرابع عشر من يونيو الماضي، سيطول أمره إلى الحد الذي يضع أحلام الفلسطينيين ومشروعهم الوطني في مهب الريح، بما ينطوي عليه من انقسام عميق، يؤسس لتداعيات تزداد خطورتها يوماً بعد الآخر.
لسنا بصدد تظهير المخاطر القريبة والبعيدة التي نجمت وتنجم عن استمرار حالة الانقسام الشامل الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية منذ أكثر من ثمانية أشهر، ومكن إسرائيل من أن تكون الطرف الأهم الذي يقرر مصير القضية والشعب الفلسطيني، ذلك أن ما يصيب المجتمع الفلسطيني والنظام السياسي، وحياة الناس اليومية، والقيم الفلسطينية ومختلف الاتجاه السياسي، سواء من يأخذ منها بالمفاوضة أو من يأخذ بالمقاومة، كل ذلك وأكثر من ذلك، أخذ يظهر بوضوح على جلود الفلسطينيين ومن يناصرهم.
منذ الأيام الأولى على الانقلاب، وانطلاقاً من الشعور بالمسؤولية الوطنية، وربما انطلاقاً من وهم خالص وبريء، بإمكانية رأب الصدع بين الأطراف المتصارعة، سارع عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة، لفحص إمكانية تقديم مبادرة تجمع حركتي فتح وحماس إلى طاولة الحوار، لمعالجة الأزمة قبل أن تستفحل ويستعصي حلها، وكنت واحداً من بين هؤلاء، غير أن المحاولة باءت بالفشل، وما كان لها في حينه أن تلقى تجاوباً من الطرفين.
كان الشعور بطغيان القوة، ونشوة الانتصار الحمساوي في الميدان العسكري، بعد نشوة الانتصار عبر صناديق الاقتراع، قد أملت معايير جديدة مختلفة، لشروط الحوار، والأهداف المرجوة من ورائه، معايير لا تتعرف على المساومة وتقديم التنازلات، التي كانت حماس تنتظرها من حركة فتح، والسلطة التي هزمت، وخرجت من معادلة السيطرة، والقرار في قطاع غزة.
وفي الوقت ذاته لم يكن متوقعاً من حركة فتح، والسلطة، أن تخضعا لإملاءات وشروط الواقع الذي فرضته حركة حماس في قطاع غزة، وجعلها في مستوى القدرة على تقرير المصير المستقبلي للشعب الفلسطيني على مختلف الصعد.
منذ ذلك الوقت أيضاً لم تتوقف المبادرات لرأب الصدع، من قبل شخصيات مستقلة، أو من قبل حركة الجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب الفلسطيني، ومن قبل أطراف عربية من بينها اليمن الذي تقدم رئيسه علي عبد الله صالح بمبادرته الثانية، قبل حوالي أسبوع من تاريخ نشر هذا المقال، ويبدو أن مصيرها سيكون كما مصير سابقاتها، بعد أن أبدت حركة حماس تحفظها عليها.
وبالرغم من أن حركة حماس ظلت منذ البداية ترفض ما تعتبره شرطاً مسبقاً من الرئيس محمود عباس، الذي يصر على أن تبادر حماس إلى التراجع عن نتائج انقلابها العسكري حتى يبدأ الحوار، إلا أن معظم إن لم تكن كل المبادرات.
قد اتفقت على أن البداية ينبغي أن تأتي من حركة حماس، بمعنى أن التراجع عن نتائج الانقلاب لم يعد موقفاً حصرياً للرئيس عباس وحركة فتح، وإنما موقفاً لمعظم وربما كل الفصائل والأطراف الفلسطينية.
ليس هذا وحسب، بل إن مبادرة الرئيس اليمني، كمحصلة للموقف العربي الذي جرى اتخاذه وتأكيده في أكثر من اجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب، أو على مستوى الجامعة العربية، هذه المبادرة تبدأ بدعوة حماس للتراجع عن نتائج الانقلاب، كخطوة أولى على طريق الحوار الذي يتضمن مجموعة أخرى من المبادئ والقضايا.
بعد هذه البداية المطلوبة، والتي لا تزال تعطل إمكانية دوران عجلة الحوار، يمكن أن نسجل مجموعة أخرى من القضايا التي تتقاطع عندها معظم المبادرات التي طرحت من أجل رأب الصدع، وبعضها أيضاً يشكل عقبات أخرى أمام إمكانية الانتقال بالحالة الفلسطينية من واقع الانقسام والتشاؤم إلى واقع التوحد والتفاؤل، هذا إذا افترضنا أن الأطراف الفلسطينية المعنية قادرة على تجاوز العقبات والارتباطات الإقليمية والدولية.
أولاً : ـ تتفق المبادرات على أن العودة عن نتائج الانقلاب لا تعني مطلقاً عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبله، سواء فيما يتعلق بالأجهزة الأمنية، عددها، قياداتها، صلاحياتها، وطبيعتها، أو فيما يتعلق بكيفية إدارة السلطة.
إن إخضاع كل هذه المؤسسات للتقييم والمراجعة وإعادة بنائها على أسس جديدة يتم الاتفاق عليها عبر الحوار، لم يعد مصلحة حمساوية فقط وإنما مصلحة وطنية يطالب بها الجميع، ولا تعترض عليها حركة فتح، التي اتخذت عقوبات بحق العديد من القيادات الأمنية، وأقصت الكثيرين منهم، على خلفيه الانقلاب وتداعياته.
ثانياً: ـ تتفق المبادرات على ضرورة احترام كافة الشرعيات، سواء ما يتصل منها بمنظمة التحرير، أو الرئاسة الفلسطينية المنتخبة أو المجلس التشريعي المنتخب، أو ما يتصل باحترام القانون، والقضاء الشرعي.
ثالثاً: ـ ثمة اتفاق أيضاً على تشكيل حكومة انتقالية يمكن الاتفاق على طبيعتها، وتشكيلتها وصلاحياتها لإدارة الأوضاع، خلال فترة الحوار الذي قد يطول، ولتهيئة المناخات الإيجابية من أجل المصالحة الوطنية، ومن أجل تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه عبر الحوار.
رابعاً: ـ تتفق المبادرات على أن المخرج من الأزمة، يستدعي تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، وعلى أساس قانون التمثيل النسبي بالكامل. وفي الواقع فإن استحقاق الانتخابات الرئاسية، في مطلع يناير العام المقبل، يطرح بقوة، أهمية وضرورة إجراء الحوار، وتحقيق توافق وطني على إجراء الانتخابات، حتى لا يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام أزمة دستورية، ستؤدي إلى تعميق الانقسام أكثر فأكثر.
خامساً: ـ ثمة اتفاق على ضرورة العودة إلى اتفاق القاهرة في مارس 2005، بشأن إعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإلى اتفاقية مكة في مطلع العام 2007، كأساس لإعادة بناء وتوحيد الحالة الفلسطينية.
على أنه بالرغم من هذا التقاطع الواسع بين معظم المبادرات الوطنية الفلسطينية أو العربية، إلا أن أياً من هذه المبادرات، لم تجد سبيلها إلى النور، بل ومن غير المتوقع أن تحظى بموافقة من مختلف الفرقاء الفلسطينيين. فحركة حماس لا تزال تصر على أنها مستعدة للحوار بدون شروط مسبقة، ولا تزال ترفض الانتخابات المبكرة، وتعتبر أن من حقها، استكمال الفترة الزمنية المقررة بالنسبة للمجلس التشريعي الذي تنتهي ولايته حسب القانون في يناير 2010.
مقابل ذلك يرفض الرئيس محمود عباس وترفض حركة فتح، حواراً يبدأ على أرضية الإقرار والخضوع للأمر الواقع، بما أنه فوق العديد من القضايا، قد شكل خروجاً على القانون والشرعية، ووضع حركة حماس خارجها.
وفي الواقع فإن الممارسات على الأرض، والسلوك اليومي، إنما يعمق حالة الانقسام، ولا يشير إلى نوايا إيجابية أو حسنة إزاء إمكانية بدء الحوار والانتقال إلى مرحلة معالجة الأزمة والشفاء منها، بقدر ما أن ما يجري على الأرض، يعمق القناعة بأن الانقسام ليس طارئاً، وأن الأمر يعود إلى وجود مشروعين، ورؤيتين للواقع الفلسطيني، من الصعب أن يلتقيا.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مرور المزيد من الوقت على الحال الفلسطيني البائس، يمكن إسرائيل أكثر فأكثر من تنفيذ مخططاتها الجهنمية لتبديد القضية الفلسطينية، ويجعلها قادرة بالفعل وليس بالقول على تعطيل أي حوار فلسطيني ـ فلسطيني يؤدي إلى التوحد، ذلك أن مصلحة إسرائيل تقتضي استمرار الانقسام الفلسطيني وعزل غزة نهائياً عن الضفة الغربية والقدس.
وبرأينا سيكون من الصعب على الأطراف الفلسطينية المتصارعة أن تتجاوز الأزمة ما لم يتولد جهد عربي جماعي حقيقي، يقف وراء مبادرة واضحة، يتم فرضها على طرفي الأزمة، الأمر الذي يعدو إلى التشاؤم في ضوء عدم نجاح المبادرة العربية إزاء الأزمة اللبنانية.
كاتب فلسطيني