عندما كنت صغيراً كنت أخرج كغيري من الأطفال للعب في الحي. وكعادة الشباب في أي حي، فلقد كان لدينا معلب لكرة القدم، وكان يفد على ذلك الملعب شباب ومراهقون وأطفال من جميع الأعمار ومن الأحياء المجاورة أيضاً.
عندما كنت صغيراً لم يكن مسموحاً لي باللعب مع الشباب الكبار، ولكنهم كانوا يرأفون بحالي ويتركونني أركض لجلب الكرة عندما تخرج من الملعب، وكنت أحرص عندما أصل إلى المعلب كل يوم ـ قبل وصول الكبار ـ أن أتأكد من مدى جاهزية المرمى وشباكه، وكنت أحمل معي كرة احتياطية في حال فقدت الكرة الأصلية.
وبعد أن كبرت قليلاً جربت لعب كرة القدم ولكنني لم أنجذب إليها كثيراً، وفضلت قيادة دراجتي الهوائية عليها، إلا أنني ظللت أتابع ـ وأشجع بحماس ـ المباريات التي كانت تجري في كل يوم بعد صلاة العصر وتمتد حتى صلاة المغرب.
وخلال المباراة كان الأهالي يمرون بسياراتهم بجانب الملعب ليتأكدوا بأن كل شيء على ما يرام، وكانوا يفعلون بذلك بطريقة سرية ـ كما كانوا يظنون ـ إلا أننا كنا نعرف بأنهم يتجسسون علينا، ولذلك كنا ننتظر حتى ينصرفوا لنركب الريح ونغامر بدراجاتنا الهوائية بدخول الميناء الصغير الذي كان قريباً من حينا.
في ذلك الميناء تعلّمنا أشياء كثيرة عن السفن والصيد والرافعات والبضائع وغير ذلك، وفي ذلك الميناء كنا نجلس بين الفينة والأخرى لنصطاد الأسماك الصغيرة.
في ذلك السن لا أذكر أنني سمعت صوت سيارة الإطفاء أو سيارة الإسعاف إلا مرات قليلة، وفي كل مرة كنت أسمع صوت أحداها كنت أشعر بأن القيامة قد قامت، فسيارة الإطفاء كانت تعني حريقاً مخيفاً، وسيارة الإسعاف كانت تعني الموت المحتم.
وعندما كنت صغيراً كنت أخرج بدراجتي دون أن أولي السيارات في الشارع اهتماماً كبيراً، فعدد السيارات حينذاك كان قليلاً من ناحية، ومن ناحية أخرى لم تكن الناس في عجلة من أمرها، والكل كان يمشي الهوينى وكأنه يتنزه على شاطئ البحر.
كان التواصل في تلك الأيام بين الناس صعباً نوعاً ما لعدم وجود هواتف نقّالة، ولكنه كان تواصلاً فعالاً، فلقد كان أبي يحرص في كل أسبوع على أخذنا لزيارة أحد أقربائنا في المدينة أو خارجها، وكان الكل يعرف أخبار الكل وبكل التفاصيل.
عندما كنت صغيراً، كانت والدتي تقلق علينا أنا وأخي كلما خرجنا من المنزل، إلا أنها لم تمنعنا يوماً من الخروج، لأنها كانت تعلم بأن مصيرنا هو بيد الله تعالى وليس بيدها، ولا أعني بمصيرنا أي ما قد يحصل لنا فقط، ولكن مصير خروجنا من البيت، فهذا أمر محتوم.
حيث إنني كنت دائماً أسمع أبي يردد قول الشافعي:«والأسد لولا فراق الأرض ما افترست، والسهم لولا فراق القوس لم يصب» وكانت أمي تؤمن بأننا كلما ابتعدنا عنها كلما ازددنا قرباً من الأمان، فكل ابتعاد به تجربة، وفي كل تجربة حكمة، وكلما زادت حكمة الإنسان كلما كان أكثر حذراً وأقل تهوراً.
كانت دراجتي الهوائية تمثل لي (ظهر سابح) كما قال المتنبي في وصف الخيل، وكانت الدريهمات القليلة التي كنت أحملها في جيبي تساوي ملايين الدراهم اليوم، فلقد كانت حاجتي أقل من ثروتي، وكان رنين الدراهم في جيبي يشعرني بأنني قادر على الاستثمار في أسواق المال العالمية، أي في بقالة الحي التي كنت أدخلها وأضرب بدراهمي على طاولة صاحبها وكأنني مستثمر دخل ليشتري الأخضر واليابس.
لقد كانت طفولتي عادية كباقي الأطفال، وكانت أنشطتنا تتنوع بين اللعب وبين حضور جلسات حفظ القرآن الكريم، وكنا كالطيور التي لا تزيدها الجدران إلا ضيقاً، فالطرقات وإن كانت صغيرة، كانت تمثل لنا فضاءً رحباً نحلق في أرجائها كيفما نشاء. فقد كنا نلعب ونجرح، ونتسلق ونسقط، ونركض ونتعثر دون أن يوجد من يحملنا من عثراتنا، ولو وجد ذلك الإنسان لما زادنا إلا تعثراً في حياتنا.
أطفالنا اليوم لا يعرف معظمهم معنى الحي، والطريق بالنسبة لهم كبحر الظلمات، إلا أنهم يعلمون بأن بخلف هذا البحر أرضاً ولكنهم نأوا عن خوضه. فلا نكاد نسمع صوت الأطفال في الطرقات اليوم، وكل ما يمكن سماعه هو قهقهات رثّة خلف الجدران تدل على أن الأطفال يلعبون (بحذر) على مراجيحهم البلاستيكية وتحت إشراف الخادمات، أما الطرقات فأصبحت مليئة بالسيارات وببعض القطط الضالة.
وأصبحت سيارات الإطفاء والإسعاف تذرع الشوارع جيئة وذهاباً، حتى تعودت آذاننا على صفاراتها المشؤومة.
وإن بحثت عن الأطفال فستجدهم أمام التلفاز أو شاشات الكمبيوتر، وإن كانوا نشيطين قليلاً فستجدهم يمشون في إحدى المراكز وفي أذن كل منهم سماعة موصولة بجهاز «iPod» حتى يبقى على اتصال مع العالم الخارجي.
في البيت يملك الأطفال أجهزة كمبيوتر محمولة حتى لا تضيع عليهم فرصة اللعب مع كائنات أخرى في الطرف الآخر من كوكب اسمه الأرض، وفي الحقيقة فلا يهمهم إذا كانت تلك الكائنات موجودة على الأرض أو على المريخ، المهم أن يوجد شخص ينافسهم في لعبة ما على الإنترنت.
ماذا لو انقطع تيار الكهرباء عن جميع سكان الأرض؟ أليست الكهرباء هي أساس حضارتنا اليوم؟ أوليس كل شيء مرتبطاً بها؟
لو انقطعت الكهرباء فلن نضطر لدفع فواتيرها مما يعني توفيراً في الدخل، ولن يكون لدينا أجهزة إلكترونية من أي نوع، مما يعني أننا سنبحث عن أدوات بدائية للتسلية، كأن نركب دراجاتنا الهوائية وننطلق لاستكشاف العالم. أو سنخرج لممارسة ألعاب قديمة كنا نمارسها يوماً، وبالتالي فإننا (سنضطر) للقاء مع أشخاص آخرين حتى نتمكن من اللعب، ولن يكون هناك مجال لاستخدام أسماء مستعارة.
وبالتالي فإننا سنستطيع أن نُشكّل ثقافة خاصة بنا ولن نذوب في ثقافات أخرى في فضاء الألعاب الإلكترونية، وستتكون لدى أبنائنا هوية وطنية تجميع بينهم وتوحدهم، فألعابهم واحدة، ولهجتهم واحدة، ومغامراتهم في الطرقات مشتركة.
وسيكون لديهم ماضٍ مشترك بينهم عندما يكبرون، وأغانٍ خاصة بطفولتهم وأهازيج ورقصات شعبية تربطهم بتراب أرضهم وتعيدهم له عندما يعود تيار الكهرباء مرة أخرى.
لو انقطع التيار فسيتمكن أطفالنا من اكتشاف الحي ولكن على طريقة (حي ابن يقظان)، وسوف نضطر لتركهم يرحلون ليعودوا إلينا وفي أجسامهم جروح بسيطة يحملونها معهم طوال حياتهم لتذكرهم بصدى الطفولة...
ولو انقطع التيار فسنتمكن من تأليف قصص محلية لنرويها لهم قبل النوم، ولن نستقي قصصنا من الأدب العالمي، وستكون إبداعاتنا الأدبية تعبيراً صادقاً عن مكنونات نفوسنا التي أصابها ماس كهربائي... والأهم من ذلك أننا سوف نضطر للبحث والسعي من جديد لاختراع الكهرباء ولكن على طريقتنا الخاصة، فهل يمكننا قطع التيار؟
باحث إماراتي