كان هناك من يخزهم ضميرهم الحقوقي والأخلاقي يوم كانت إسرائيل مجرد جنين ينمو في رحم السياسة البريطانية والغربية بعامة. ولو قدر لرأي هؤلاء التبلور والانتصار، لاتخذت القضية الفلسطينية منحي آخر غير الذي سمعنا وأبصرنا منذ ستين عاماً.

لكن ما جرى هو أن الجنين نما وتخلق ثم خرج على الخلق أجمعين دولة مارست كل الموبقات بحق الفلسطينيين والعرب ومثلت تهديداً للسلم والأمن الدوليين. حدث ذلك ببساطة لأن التوجهات التي حكمت السياسة البريطانية الفلسطينية حادت عن جادة القانون والأخلاق وغلبت عليها شقوة وسطوة المصالح الإستراتيجية والإيديولوجية.

نعرف أن لندن لا تستطيع اليوم أن تعكس مسار التاريخ ولا أن تستدرك كلياً ما فات عليها وترتب على فعلتها المشينة بفلسطين وشعبها. بيد أن بوسعها التوسل إلى الغفران التاريخي من هذه الفعلة بما هو أكثر وأجدى من حملة التوبيخ الجامعي والأهلي لإسرائيل أو كلمات المجاملة الرسمية في لقاءات مجلس التفاهم أو الحديث المزجي حول جهود البحث عن تسوية لأزمة الشرق الأوسط!

بوسع بريطانيا، لو صدقت النيات، أن تتصالح مع تاريخها وسياستها تجاه الفلسطينيين عبر خطوات جادة ملموسة، ولتكن بدايتها تقديم اعتذار رسمي صريح قطعي الدلالة عن دورها في تدمير حيوات سكان فلسطين الأصليين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية...

ندفع بهذا المطلب (المقترح) وفي ذهننا نماذج لمثل هذا الاعتذار لعل آخرها وأكثرها طزاجة، الاعتذار الذي قدمه رئيس الوزراء الأسترالي في منتصف فبراير 2008 لسكان أستراليا الأصليين «عن القوانين وسياسات البرلمانات والحكومات المتعاقبة التي ألحقت المعاناة وتسببت في خسائر فادحة لمواطنينا الأستراليين.

إننا نطلب الصفح عن الآلام التي لحقت بهذه الأجيال وأحفادهم وعائلاتهم. . من الأمهات والآباء والأخوات والأخوة الذين انفصلوا عن ذويهم. نطلب الصفح عن الإساءة للكرامة الإنسانية والإذلال لشعب يفتخر بنفسه وبثقافته..».

الشعب الفلسطيني يستحق مثل هذا الاعتذار وأكثر من الحكومة البريطانية عن ضياع وطنه وتعريضه للموت واللجوء والتشرد والفاقة. وربما كان الفلسطينيون أولى بالاعتذار كون معاناتهم من جرائر السياسة البريطانية مازالت فوارة متجددة على مدار الساعة رغم أنها بدأت قبل زهاء مئة عام، فيما يعتذر أحفاد المستوطنين الغربيين عن جرائم ارتكبها أجدادهم قبل مئتي عام أو يزيدون!..

في محاضرة له بمؤسسة هيكل للصحافة العربية بالقاهرة يوم 16 /2/ 2008، قدم المؤرخ البريطاني الشهير ألستير هورن اعتذارا شخصياً للمصريين عن مشاركته كضابط في قوات الاحتلال البريطاني لمصر إبان الحرب العالمية الثانية!

هذا سلوك حميد من قارئ لعبر التاريخ، وهو يشبه المواقف الإيجابية التي يتخذها أنصار القضية الفلسطينية من البريطانيين. . لكننا نحسب أن المطلوب من بريطانيا، حكومة وشعباً، أبعد بكثير وأوسع من الاعتذارات الفردية والنخبوية.

وحتى في حال امتلك البريطانيون شجاعة مثل هذه الخطوة، فإنهم مدعوون إلى ما يترتب عليها من سياسات عملية ترفع عن شعب فلسطين بعض عذابات الحاضر، بعد التخلص من العبء الأخلاقي لما أوقعوه بهذا الشعب من عذابات في الماضي. المراد أننا فيما يتعلق بالمسؤولية البريطانية عن النكبة وتوابعها المأسوية نتطلع إلى ما هو أنفع للفلسطينيين من مكملات التضامن الموسمية.

كاتب وأكاديمي فلسطيني