لا يخفى على أحد الحماس الشديد لواشنطن في دعم الكيان الجديد في البلقان المسمى دولة «كوسوفو» المسلمة وسعيها لحشد أكبر عدد من الاعترافات الدولية للدولة الجديدة في البلقان.

وخاصة لدى الدول العربية والإسلامية، ولا نعتقد أن الاعتراف السريع من أفغانستان بكوسوفو جاء بمحض إرادة واختيار النظام الأفغاني أو بعيداً عن التوجيهات الأميركية، وليس غريباً أن ترحب الخارجية الأميركية ترحيباً خاصاً باعتراف منظمة المؤتمر الإسلامي باستقلال كوسوفو معتبرة ذلك، على لسان نائب الوزيرة نيكولاس بيرنس اعترافاً من جميع الدول الأعضاء في المنظمة.

أي نحو ستين دولة، وهذا ليس صحيحاً بالمرة، إذ أن المنظمة لا تمثل أعضاءها الستين في قرار مثل هذا، ولم يعترف من أعضائها بكوسوفو سوى ثلاث دول فقط.

لا شك أن الولايات المتحدة الأميركية لها مصالح عديدة من وراء إقامة دولة عرقية وطائفية في قلب البلقان وقلب أوروبا، وهو الأمر الذي تحذر منه روسيا كثيراً وبشدة، وما قاله الرئيس الروسي بوتين من أن الأوروبيين سيندمون وسيدفعون الثمن غالياً بدعمهم لاستقلال كوسوفو والاعتراف بها كدولة، إنما هو تحذير جاد وفي محله تماماً.

إذ لا يمكن لأحد أن يتصور أن هذا الكيان الجديد في أوروبا إنما وجد فقط من أجل إيواء المسلمين الألبان وحمايتهم من الاضطهاد الصربي الذي لم يعد له وجود منذ خمسة أعوام مضت، كما أنه لا أحد يصدق أن الأميركيين والأوروبيين يريدون أن يتولوا رعاية وإعاشة مسلمي كوسوفو بدلاً من الصرب.

خاصة وأن كوسوفو هي أفقر مناطق البلقان إن لم تكن الأفقر في أوروبا كلها، ومن الخطأ أن يتصور أحد أن كوسوفو صاحبة حق في الاستقلال عن صربيا، فهي لم تكن يوماً ما دولة مستقلة بل كانت منذ قرون عديدة مضت جزءاً لا يتجزأ من المملكة الصربية التي احتلها العثمانيون.

ولم تدخل كوسوفو الاتحاد اليوغسلافي السابق مستقلة مثل كرواتيا والبوسنة وسلوفينيا وغيرهم بل دخلته كجزء من صربيا، والألبان لم ينشأوا فيها كقومية مستقلة بل لجأوا إلى صربيا متفرقين وتجمعوا في هذه المنطقة بالتحديد وعاشوا مئات السنين مع الصربيين في أمان وهدوء تام حتى تسعينات القرن الماضي عندما خططت واشنطن ولندن معاً لاستغلال هذه الأقلية المنتمية للإسلام لإشعال البلقان وتفتيت يوغسلافيا ودفعتا بقوات من المرتزقة لتحارب مع جيش تحرير كوسوفو.

الآن بالتحديد تعلن كوسوفو استقلالها بدعم وتحريض قوي من واشنطن وأيضاً لندن التي سارعت بعد يوم واحد بإرسال سفير لها في بريشتينا، ويأتي الاعتراض الروسي على هذه الخطوة من قبيل التخوف الشديد لدى موسكو من السيناريو القادم في البلقان، هذا السيناريو الذي تريد واشنطن من خلاله نقل مركز الإرهاب الدولي إلى قلب أوروبا بعد أن استنفذت وسائلها في العراق وأفغانستان.

ويأتي هذا المخطط الأميركي في ظل علامات الضعف والتراجع التي تشهدها العلاقات الأوروبية الأميركية، وشعور واشنطن بأن هناك من يسحب البساط من تحت أقدامها في أوروبا، وأيضاً في ظل التهديدات الجادة لكيان حلف شمال الأطلسي بالتفتت والانهيار والتي بدت واضحة في تعامل الأوروبيين مع قيادة الحلف في أفغانستان ورفضهم إرسال قواتهم للقتال في جنوب أفغانستان.

الأمر الذي يعني لدى واشنطن «تمرد» عليها وتهديد لهيمنتها ونفوذها، ومن هنا رأت واشنطن ضرورة نقل الخطر والتهديد إلى قلب أوروبا، وهذا هو الهدف الأساسي لدى واشنطن من استقلال كوسوفو ودعمها السابق لجيش تحرير كوسوفو الذي يضم بداخله العديد من المرتزقة ومجرمي الحرب المحكوم عليهم قضائياً من قبل محاكم دولية وإقليمية.

وترى موسكو أن واشنطن ستسعى لنقل «الجهاد الإسلامي» لكوسوفو، وستسعى لدى العرب والمسلمين لحشد دعمهم المادي والبشري لهذه الدولة الجديدة المصطنعة، وسيشتعل البلقان من جديد ثم تمتد منه الحرائق إلى أوروبا التي ستستنجد بدورها بحلف شمال الأطلسي لتعود هيمنة واشنطن من خلال الحلف على أوروبا كما كانت من قبل، وهذا المخطط يعلمه الكثيرون من الأوروبيين وتعلمه روسيا جيداً، ولكن من الضروري والمهم أن يعلمه العرب والمسلمون أيضاً.

المحافظون المتشددون في بريطانيا والولايات المتحدة لا يهمهم مستقبل أوروبا ولا أمنها، كل ما يهمهم مصالحهم، وهم يعلمون جيداً أن سابقة استقلال كوسوفو ستجر الويلات لأوروبا المكتظة بالأقليات العرقية والدينية.

وهناك العديد من التجمعات الإسلامية في معظم دول أوروبا التي سيبهرها ما فعله أقل من مليون ألباني في كوسوفو، بينما هناك في بريطانيا مثلاً أكثر من ثلاثة ملايين مسلم مهاجر وفي فرنسا وألمانيا أكثر منهم، ولا يستبعد أن تسعى هذه الأقليات في المستقبل القريب أو البعيد إلى التجمع في مناطق معينة وتطالب بالاستقلال مثل كوسوفو.

وقد تراود الأوهام الخاطئة لدى بعض المسلمين أن يدعموا هذه الأقليات ويهبوا لمساعدتها وربما للجهاد معها من أجل الاستقلال، وربما يجدون في ذلك دعماً من جهات دولية مثل واشنطن تسعى لاستغلالهم لتحقيق مصالحها وهيمنتها في أوروبا، وهكذا تدخل أوروبا التي أرادت كسر عصا الطاعة الأميركية في دوامة التفكك والاضطرابات، وقد تتحقق عند هذا الأمر مقولة صراع الحضارات التي تنبأ لها الغربيون وروجوا لها.

العامل الإسلامي لم يظهر بعد في كوسوفو لأن ظهوره بشكل واضح الآن قد يثير مخاوف الأوروبيين وقلقهم ويجعلهم يترددون في الاعتراف بكوسوفو، لكنه حتماً سيظهر عاجلاً أو آجلاً، فلا يمكن لأحد أن يتصور أن تحشد واشنطن ولندن كل هذا الحشد الدولي الكبير من أجل تأسيس دولة إسلامية في قلب أوروبا إلا إذا كان هناك هدف أو أهداف كبيرة وخطيرة من وراء هذا الحشد.

وهذا ما تحذر منه روسيا وباقي الدول والجهات التي تستشعر وتحلل جيداً ما يدور خلف الكواليس، ويبقى على الأوروبيين أنفسهم أن يقرروا ماذا يريدون؟ ويبقى أيضاً على العرب والمسلمين أن يتنبهوا لمخططات جرهم لصراع حضارات مصطنع سوف يزيد من معاناتهم ومشكلاتهم وربما عزلتهم عن العالم.

جامعة سيبيريا