شهدت لندن مؤخراً فعاليات أسبوع مناهضة الفصل العنصري الإسرائيلي، الذي شاركت فيه مؤسسات غير حكومية وجمعيات طلابية تنتمي إلى جامعات بريطانية. الهدف الأساسي لهذه الحملة كما حدده المنظمون هو زيادة الوعي بشأن السياسات العنصرية الصهيونية تجاه الفلسطينيين.

وحشد التأييد الدولي لمقاطعة إسرائيل والمطالبة بفرض حصار اقتصادي عليها أسوة بنظام جنوب أفريقيا البائد.. وصولاً إلى إزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وحماية حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة طبقاً للشرعية الدولية العامة والفلسطينية الخاصة.

بالتوازي مع هذا الحدث الإعلامي الدعائي السياسي، شارك وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليبان جنباً إلى جنب مع وزير خارجية ما يسمى بحكومة الظل وليام هيج في حفل الاستقبال، الذي استضافه مجلس التفاهم العربي البريطاني (كابو). ويلاحظ أن هذا الحفل مناسبة تقام سنوياً منذ فترة، لكنها المرة الأولى التي يتلازم فيها حضور هذين الوزيرين معاً، مؤكدين في كلمتيهما على ضرورة تسوية القضية الفلسطينية وإنهاء معاناة شعبها.

لنا أن نعزو هذا الاهتمام الشعبي والحكومي إلى حلول السنوية الستين للنكبة الفلسطينية. وإذا أحسنا الظن فسوف نعتقد بأن تظاهرة التضامن هذه ما هي إلا تعبير عن استشعار بعض البريطانيين بالغبن والظلم التاريخي الذي اقترفته سياسات بلادهم ذات مرحلة بحق فلسطين وأهلها.

حقائق التاريخ الداحضة تقول بأن بريطانيا، حين كانت عظمى، هي المسؤول الأول، وان لم يكن الأخير أو الوحيد، عما حاق بالشعب الفلسطيني من دمار وتخريب وعملية إبادة بالجملة والقطاعي على مدار الأعوام المئة الماضية.. فهي التي رعت المشروع الاستيطاني الصهيوني على مستويي الفكر والحركة حين كان زعماؤه يبحثون عن عراب دولي له.

وهي التي أصدرت تصريح بلفور الشهير المنكود الذي أعطى فيه من لا يملك من لا يستحق. وهي التي شهدت أروقتها السياسية تدبيج صك الانتداب(الاستعمار) على فلسطين لأجل تشهيل وتسهيل إنجاز تهويد فلسطين وصهينتها.

وهي التي بسياستها المنحازة حطمت حياة الشعب العربي الفلسطيني الاجتماعية والاقتصادية وشردت قيادته الوطنية لئلا يبلور كيانه السياسي. وهي التي رفضت العروض السياسية الديمقراطية بأن تكون فلسطين دولة مستقلة لكل مواطنيها وسكانها الأصليين الأقحاح من العرب والمسيحيين واليهود بلا تمييز ولا تميز لفئة على فئة.

وهي التي تخلت في لحظة فارقة عن السفينة الفلسطينية بعد أن هيأت للمشروع الصهيوني ومكنت له سبل السيطرة عليها وقيادتها إلى بر الندامة والصدام المروع ،الذي أدمى الحرث والنسل في فلسطين وأوقع «الشرق الأوسط» في لجة صراع مرير قد يتعولم ولا يعرف غير الله منتهاه ومستقرة ومستودعه.

هذه الحقائق مبثوثة في تضاعيف ذاكرة الفلسطينيين الجمعية، وهم يرثونها جيلاً عن جيل. وفي مناسبات بعينها، كذكرى تصريح بلفور وتقسيم فلسطين وحروب النكبة واللجوء والنكسة والنزوح والأيام النحسات التي يعز حصرها في حياتهم، تطفو صورة قاتمة لبريطانيا لتتبوأ مقعدها في أقرب مكان من هذه الذاكرة.

الشيء المحير في سيرة السياسة البريطانية الفلسطينية أن بعض كبار المسؤولين في أواخر عهد لندن وتاجها بالعظمة، جادلوا في صحة توجه حكوماتهم إلى تطبيق تصريح بلفور. وكان مما قيل في ذلك أن التصريح لم يقصد بمفهوم الوطن القومي إنشاء دولة يهودية. ولا أدل على ذلك من اقتران هذا المفهوم بصيانة حقوق غير اليهود في فلسطين.

كاتب وأكاديمي فلسطيني