في ضوء قرار البرلمان التركي، بأغلبية كبيرة جداً، في السادس عشر من أكتوبر المنصرم بتخويل رئيس الوزراء أردوغان شن هجوم إستراتيجي واسع داخل الأراضي العراقية، بدأت القوات البرية التركية يوم الحادي والعشرين من فبراير الجاري في اجتياح أجزاء من كردستان العراق.
وقد سبق ذلك قيام القاذفات والمروحيات التركية بقصف المواقع الحساسة التي يوجد فيها مقاتلو حزب العمال الكردستاني وفق معلومات استقتها من المصادر الإستخبارية الأميركية.
أشاعت هذه الحملة العسكرية منذ بدء القصف الجوي أجواء الخوف والرعب لدى سكان المنطقة المدنيين وأغلبهم من الفلاحين والرعاة الذين أضطر معظمهم إلى الهجرة حفاظاً على حياتهم وقد دمر القصف العديد من مساكنهم.
وقد صدر إثر بدء هذا الهجوم إدانات دولية عديدة على رأسها ما صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة كما طالبت الحكومة العراقية إيقاف الهجوم وسحب القوات التركية في تناقض صارخ مع ما تدعيه الحكومة التركية من أن توغل قواتها لم يكن من غير تنسيق مع الجانب العراقي.
وقامت إيران إثر ذلك بتعزيز قواتها على الحدود العراقية، و قفزت أسعار العقود الآجلة للنفط في أسواق البورصة إلى مستوى مئة دولار للبرميل الواحد بتأثير المخاوف من تعطّل الإمدادات النفطية عبر الأراضي التركية إلى ميناء جيهان التركي للتصدير.
ويعتبر هذا التوغل الأول من نوعه منذ احتلال العراق عام 2003، وهو لم يتم بمباركة أميركية فحسب بل و بدعم مخابراتي ولوجستي منها يجعلها شريكا فيه وليس مراقبا له. فما هو يا ترى البعد الأميركي في هذا الموقف؟ وما هو المغزى من هذا الهجوم وما هي الأهداف الحقيقية لتركيا؟.
هنالك حقائق ميدانية لا بد من أخذها بنظر الاعتبار في هذا السياق، فتركيا هي الدولة الأكثر قرباً إلى الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بحكم كونها عضواً في حلف الأطلسي وتستضيف أراضيها عدداً من القواعد العسكرية الأميركية. وتشترك الولايات المتحدة مع تركيا في تصنيف حزب العمال الكردستاني التركي في خانة الإرهاب، ويهم الولايات المتحدة كثيراً عدم إغضاب هذا الحليف الإستراتيجي الذي يرى أن قضية الأكراد عموماً وأكراد تركيا خصوصاً خطاً أحمر بالنسبة لأمنه القومي حتى لو تطلب ذلك إغضاب بعض حلفائها في العراق.
سياسة الولايات المتحدة في العراق تتأثر من غير شك بخارطة الكتل السياسية العراقية وتحالفاتها و تقارب أو تعارض مصالحها مع هذه الكتلة أو تلك، فهي تشهد الجفاء الذي بدأ يظهر إلى العلن بين التحالف الكردستاني وبين كتلة الائتلاف العراقي الموحد التي تعتبرها الولايات المتحدة اللاعب الأهم في الساحة السياسية العراقية هذا إضافة إلى تعرض الولايات المتحدة إلى ضغوطات لم تظهر إلى العلن بعد من بعض الدول العربية التي تتحفظ كثيراً على مستقبل العراق في ضوء ما حصل عليه الأكراد من مكاسب.
أما ما تسعى إليه تركيا فبعضه واضح المعالم وبعضه ليس كذلك تدور حوله التكهنات، فمن المسلم به أن تركيا لا تنظر بعين الرضا إلى المكاسب التي حصل عليها أكراد العراق وهي تتوجس كثيراً من المستقبل السياسي لإقليم كردستان العراقي المتاخم لحدودها الجنوبية حيث يعيش أكراد تركيا وحيث ينشط حزب العمال الكردستاني الذي يرفع شعار الكفاح المسلح للحصول على الحقوق القومية لأكراد تركيا.
لم يكن محبباً لدى حكومة أردوغان إتخاذ قرار التوغل العسكري إلا كآخر ورقة تُطرح في مجال التحرك ضد حزب العمال الكردستاني فقد قام أردوغان بتأخير ذلك مدة تقرب من شهرين. فالعمل العسكري يقوي شوكة المؤسسة العسكرية التركية التي سعى حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان ويسعى إلى إنتزاع نفوذها ونفوذ القوى العلمانية المؤتلفة معها.
فالتوغل الذي يقوم به الجيش التركي في كردستان العراق يعيد بعض النفوذ والهيبة لهذه المؤسسة ويدعم وجودها وهيبتها كمرجعية أساسية في الحفاظ على الأمن التركي.
هنالك أهداف مهمة تسعى تركيا لتحقيقها في هذا الإجراء العسكري، كما أن هنالك رسائل مهمة يحملها هذا الإجراء يقرؤها العارفون ببواطن الأمور ويعرفون بأنهم المعنيون بها، نلخص ذلك بما يأتي:
1 ـ القضاء على مواقع حزب العمال الكردستاني التركي في كردستان العراق، وهو الهدف المعلن أو الذريعة لهذا التوغل.
2 ـ زعزعة الاستقرار في الإقليم الكردي وإضعافه عن طريق استهداف البنى التحتية فيه وهو اتهام وجهه رئيس وزراء الإقليم إلى تركيا.
3 ـ تجاهل وجود الإقليم ومؤسساته، فوفق المصادر الرسمية التركية كان التغلغل بتنسيق جرى مع الرئيس العراقي ومع رئيس الوزراء.
4 ـ إحراج قيادة الإقليم الذي تجاهلته بإظهارها بمظهر العاجز عن حماية حدود إقليمها مما حدا برئيس الإقليم إلى الاستنجاد بالولايات المتحدة للتدخل لوقف التغلغل التركي موجهاً عن طريق رئيس وزرائه سهام التقريع لرئيس الوزراء العراقي.
5 ـ استعراض عضلات الدولة القوية التي ترى بأن شأن كركوك ومستقبلها يدخل ضمن اهتماماتها.
6 ـ مدخل لمعادلة نفوذ بعض دول الجوار العراقي التي تفاقم تدخلها في الشأن العراقي.
7 ـ إشعار الحكومة العراقية بأن الاتفاقات التي عقدتها تركيا مع النظام السابق لا تزال سارية المفعول.
8 ـ لفت أنظار الولايات المتحدة إلى أن تركيا لها ما تقوله في الشأن العراقي.
أظهر التوغل التركي في الأراضي العراقية وانتهاك سيادة العراق وأحداث أخرى كثيرة سبقته كم هي الحاجة ضرورية لوجود حكومة قوية في بغداد وكم هو حجم الأضرار التي لحقت بالعراق جراء الأخذ بإستراتيجية تدمير المركز التي اعتمدتها بعض الكتل السياسية القوية في مجلس النواب العراقي.
وكم لحق من أضرار بالأمن القومي العراقي جراء الدعوات التي ارتفعت إبان صياغة الدستور العراقي وخلال الحملة التي صاحبت الاستفتاء حوله، بأن توزيع صلاحيات الحكومة المركزية على الأقاليم هي الوسيلة المضمونة لعدم عودة الديكتاتورية.
الحكومة العراقية أمامها فرص عديدة لإثبات وجودها خاصة فيما يتعلق بالحقوق التي تم التفريط بها على مدى سنين طويلة في عهد النظام السابق عبر اتفاقيات سمحت بخسارة العراق لحقوق كثيرة في الأرض وفي المياه مع دول الجوار، وسمحت لدول أخرى بانتهاك سيادته والتوغل في أراضيه وإقامة المعسكرات فيها.
ولعل معاهدة الجزائر التي وقعها الرئيس العراقي السابق مع شاه إيران والاتفاق مع تركيا بالسماح بتوغل قواتها داخل إقليم كردستان هي في مقدمة القضايا التي ينبغي على الحكومة العراقية التصدي لها، فهل ترغب في ذلك؟، وإن رغبت فهل تستطيع؟.
كاتب عراقي