وثيقة وزراء الإعلام العرب بشأن البث الفضائي تأتي في توقيت مهم للغاية وهذا التوقيت ربما يبرر سبب صدورها والجرأة التي توافرت للوزراء العرب والأنظمة العربية على إصدارها، وفي اعتقادي أن مثل هذه الوثيقة ما كان أي نظام عربي يجرؤ على الموافقة عليها أو طرحها قبل ذلك.
وخاصة خلال السنوات الماضية من حكم إدارة بوش في البيت الأبيض، عندما كانت هذه الإدارة ترفع شعارات الإصلاح والديمقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان وتضغط على الأنظمة العربية وتهددها وتدعم المعارضة والأقليات والنخب السياسية المتبنية لهذه الشعارات، حقا لقد مرت السنوات الست أو السبع الماضية على بعض الأنظمة العربية وكأنها سنوات عجاف طويلة اضطرت فيها هذه الأنظمة لتقديم تنازلات كثيرة جراء الضغوط الشديدة التي تعرضت لها من واشنطن.
وفي نفس الوقت تجرأت النخب السياسية المعارضة وجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بشكل كبير على هذه الأنظمة مسنودة في هذا بالتأييد الأميركي الذي وصل في بعض الأحيان إلى درجة الدعم المادي والتدخل المباشر للإدارة الأميركية فقط من أجل دعم سجين سياسي في دولة عربية.
الإعلام الفضائي لعب دورا كبيرا وربما رئيسيا في إبراز النخب المعارضة في الدول العربية، وشكلت الفضائيات مصدر قلق كبير للأنظمة العربية، وكما قال البعض ان الفضائيات أوصلت صوت المعارضة إلى غرف نوم الحكام، ولكن المشكلة الكبرى في رأيي لا تكمن في استبداد الأنظمة التي استغلت تراجع الإدارة الأميركية عن دعم المعارضة وانشغالها في مشاكلها الكبيرة.
كما أن المشكلة لا تكمن أيضا في الإدارة الأميركية نفسها وسلوكها وسياساتها المشينة وتدخلاتها السافرة في شئون الدول الداخلية، وأيضا وأخيرا المشكلة لا تكمن حتى في سلوكيات الفضائيات نفسها التي كانت تسعى لإثبات وجودها وتحقيق أهدافها الخاصة.
المشكلة في الواقع تكمن في سلوكيات المعارضة والنخب السياسية نفسها التي اعتمدت اعتمادا كثيرا على الدعم الأميركي لها وراهنت على صدقه وفاعليته وديمومته وسعت مهرولة نحو الفضائيات تتسابق فيما بينها لاحتلال شاشاتها ولتطلق شعاراتها الحادة واللاذعة لرموز وشخصيات الأنظمة الحاكمة معتقدة أن خلفها في واشنطن من يقف معها ويحميها من بطش الأنظمة.
لقد وقعت هذه النخب السياسية العربية في خطأ تاريخي ربما لم تقع فيه نخب معارضة كثيرة في دول أخرى من العالم، هذا الخطأ التاريخي والجوهري يتمثل في تخلي هذه النخب عن السند والداعم الحقيقي والفعال لها وهو الشعوب، لقد أغفلت هذه النخب المعارضة قضايا شعوبها الحقيقية والكثيرة مثل الفقر والمرض والبطالة والفساد وغياب العدالة الاجتماعية وانهيار الشباب الضائع أمام الغزو الثقافي والإعلامي الغربي.
وذهبت النخبة تتبنى القضايا التي طرحتها الإدارة الأميركية من حقوق الإنسان والأقليات والإصلاح السياسي والديمقراطية وحرية الرأي، وكلها قضايا قد يتصور البعض أنها جوهرية وواقعية، لكنها ليست القضايا التي تهم العامة والملايين من الشعوب العربية.
لقد اكتفت النخبة السياسية المعارضة بكافة تشكيلاتها الحزبية والتنظيمية بالنضال على شاشات الفضائيات اعتقادا منها بأن الشعوب تراها وتدعمها، وبعض هذه النخب كانت تسعى من خلال الفضائيات إلى أن يصل صوتها وصراخها لواشنطن وليس للشارع العربي، ولهذا شاهدنا كم هو ضئيل حجم هذه النخب السياسية المعارضة في تجمعاتها في الشارع، والذي كان لا يتعدى العشرات يجمعهم سلم نقابة أو ناصية شارع أو قاعة صغيرة.
و لا نستحي هنا من القول إن بعض هذه النخب كانت تنتظر من واشنطن والغرب الدعم المادي قبل الدعم السياسي، وقد ثبت هذا بوقائع قضائية متعددة، ووصل الأمر ببعضهم أن يكتبوا رسالة للرئيس بوش يطلبون منه العون والوفاء بوعوده في دعمهم، ولم يفكروا لحظة واحدة في اللجوء لشعوبهم والاقتراب من قضاياهم الحياتية الواقعية.
لقد قضت الفضائيات مضاجع الأنظمة الحاكمة لكنها لم تضرهم ولم تحد من استبدادهم وبطشهم، بل على العكس أفادتهم كثيرا لأنها حصرت النخبة السياسية المعارضة على شاشاتها وفرضت عليها شعارات محددة ترددها دون غيرها وعزلتها عن القواعد الشعبية وعن قضايا الشعوب التي لو كانت تبنتها وطرحتها بصدق لوجدت الشارع كله معها ضد الأنظمة.
أذكر هنا أنه قبل ظهور الفضائيات وقبل وجود الإعلام المستقل كانت مظاهرة في جامعة في أقصى صعيد مصر كفيلة بأن تشعل معها كافة جامعات مصر في وقت واحد، وكم من مرة هب الشارع مع طلبة الجامعات وعمال المصانع وحتى مع الأمن المركزي في مظاهرات حاشدة وقوية أصابت النظام بالرعب والفزع واضطرته لتجهيز الطائرات استعدادا للرحيل، آنذاك كانت المعارضة السياسية لا تعتمد سوى على قواعدها الشعبية وتواجدها في الشارع الذي تبنت قضاياه الحقيقية.
الآن ومع رحيل بعبع الأنظمة الأميركي واختفاء ضغوطه على الأنظمة تأتي وثيقة وزراء الإعلام العرب بمثابة تكشير أنياب للأنظمة، والآتي سيكون أفظع، إنها البداية، ولا يلوم نجوم الفضائيات من النخب السياسية المعارضة إلا أنفسهم.