المعلم، والمثقف، ومن يقوم مقامهما، هم البناة الحقيقيون للمجتمع، ولا يكاد يقوم مجتمع لا يحضر فيه المعلم والمثقف ويقومان بالدور المطلوب منهما فيه. وكي يقوم هؤلاء بالدور التعليمي، التثقيفي، التنويري المناط بهم، الذي يسهم في الرقي بالمجتمعات، لا بد أن يكونوا مؤهلين تأهيلاً جيداً، يتناسب مع العصر الذي يعيشون فيه، كي يتمكنوا من التحرك بمجتمعاتهم نحو الأمام، لا أن يعودوا بها للخلف.

لكن المهم هو أن يطمئن أفراد المجتمع إلى أن هؤلاء المعلمين، والمثقفين، مؤهلون على نحو كافٍ ليحملوا ويتحملوا مهمة بناء المجتمع، وتأسيسه علمياً وثقافياً وفكرياً، وتشكيله داخلياً وخارجياً، لا أن يكونوا من الجهلة الذين لا يفقهون من العلم شيئاً، أو المزيفين الأدعياء، الذين لا يعرفون حقيقة أنفسهم، فكيف لهم أن يعرفوا حقيقة العلم والثقافة والأفكار التي يؤسسون أفراد المجتمع من مختلف الأجيال عليها!

جهل المعلمين والمثقفين ليس جديداً؛ فكثيراً ما تنقل لنا المصادر التراثية قصصاً تحكي مواقف من هذا القبيل، تُصبّ أحياناً في قالب النوادر والطرائف، فلا يجد القارئ مناصاً من الضحك من شر البلية. بل إن التوحيدي يذكر في «البصائر والذخائر» أن الكتّاب كانوا قديماً يقولون في دور الخلفاء ومجالس الوزراء: اللهم إنا نعوذ بك من رقاعة المنشئين، وحماقة المعلمين، وركاكة النحويين!!

وهذه إشارة إلى أن بعض المعلمين كانوا يوصفون بالحماقة نتيجة جهلهم ببعض أبجديات العلوم التي يدّعون إليها نسباً. وما نجده في أيامنا هذه لن يكون سوى امتداد لما جاد به الزمان في أوائله. وإذا كان الموجود في المصادر التراثية مما يعدّ ماضياً ومنتهياً، فإننا معنيون جداً بما هو موجود في العصر الحالي، من ممارسات تصدر عن أشخاص «متعلمين» أو «مثقفين»، لكنها تكشف عن زيف هذه الصفات وعدم أهليتهم لها.

ربما ينبغي أن أشير إلى أن كلامي هذا هو بمثابة رد فعل على ما كنت قد سمعته من إحدى الصديقات، التي حكت لي أن قريبتها المتخصصة في الدراسات الإسلامية، المنتظمة في سلك التدريس، تلجأ حين تواجهها مشكلات تعجز عن إيجاد حل لها إلى الدجّالين والمشعوذين، كي تبحث عندهم عن حل للمشكلة التي تواجهها، مثلها في ذلك مثل أي شخص جاهل، لا يملك القدرة على تمييز الصواب من الخطأ، فيطرق باب المشعوذين والسحرة الذين لم يتمكنوا من إيجاد حلول لمشكلاتهم الخاصة، ومع ذلك يجدون من يصدقهم في ادعائهم أنهم يستطيعون فعل الخوارق، وكأنهم يمتلكون خاتم سليمان، أو أن المارد الجبار رهن إشارتهم! يتساوى في ذلك الجهلاء وبعض المتعلمين!

مثل هذا التصرف قد يكون مقبولاً ـ بكثير من التحفظات ـ من أشخاص لم يصيبوا حظاً من نور العلم، وقضوا معظم حياتهم غرقى في ظلمة الجهل، لكن أن يصدر تصرف كهذا من إنسانة تحمل مسؤولية تربية أجيال ـ تربية دينية تحديداً بحكم تخصصها ـ فهذا من الصعب أن يُقبل أو أن يُصدَّق.

إذا كانت هي تفكر بهذه الطريقة، فكيف يطمئن أولياء الأمور أنها تدرس أبناءهم بقية أمور دينهم المدرجة ضمن المنهج بشكل سليم؟ يقول سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ: «من نصب نفسه للناس إماماً، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه». ويبدو أن هذا المفهوم غير موجود عند كثيرين ممن ينصّبون أنفسهم معلمين لأبنائنا، إذ ينفصل سلوكهم عن كلامهم الذي يقولونه ـ أو يجدر بهم أن يقولوه ـ داخل الصف المدرسي.

أذكر في هذا موقفاً كثر ذكره في فترة مضت، وتناقله عدد من مواقع الشبكة العنكبوتية، عن مدرسة حاولت أن تجتهد في تدريس مادتها (الفيزياء)، وأن تربطها بالدين، وبالعصر نفسه، فقامت بتفسير إحدى آيات القرآن، وهي قوله تعالى: «يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم أن تنفُذوا من أقطار السماوات والأرض فانفُذوا، لا تنفذون إلا بسلطان»، بأن المقصود بالسلطان هنا هو الأمير السعودي سلطان بن سلمان آل سعود، الذي صعد إلى القمر، وكان أول عربي مسلم قام بذلك!!

يُقال في الخبر إن الموجهة كانت حاضرة في ذلك الدرس بالتحديد، واستمعت بدهشة بالغة ـ كادت أن تخرسها إلى الأبد ـ إلى هذيان هذه المدرسة، وناقشتها، لكن المشكلة هي أن المدرسة رأت أن هذا ما تفهمه هي من الآية، أي أنها اجتهدت، وعممت اجتهادها، وصرّحت به أمام طالبات صغيرات، قبل أن تسمع آراء المتخصصين ـ في تفسير القرآن الكريم ـ في اجتهادها الشخصي.

هذا الموقف، إن كان قد حدث بالفعل وليس موقفاً مختلقاً، فهو بلا شك يمثل واقعاً مزرياً للمعلم الذي يجب أن يبقى متعلماً دائماً، ولا يكفّ عن طلب العلم والسعي إليه في أي مكان ـ لكن بحدود وبعيداً عن الاجتهادات الشخصية ـ ، لأنه متى ما ظن أنه اكتفى منه، يكون في أشد لحظاته حاجة إليه، وخلوّاً منه. أو كما جاء في الأثر: لا يزال المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل.

ليست مصيبتنا في الأشخاص الجهلة، إذا كانوا يعرفون أنهم جهلة بالطبع، إنما مشكلتنا في الجهلة الذين لا يعرفون أنهم كذلك، أو الذين يعتقدون أنهم علماء مبرّزون، لا يُشقّ لهم غبار في المجالات التي ينتسبون إليها. وهؤلاء بالذات هم الذين أوصى السلف بأن نتجنبهم، وألا نخالطهم أو نكلمهم، حين قالوا: الناس أربعة، فكلم ثلاثة، ولا تكلم واحداً، رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فكلمه، ورجل يعلم ويرى أنه لا يعلم فكلمه، ورجل لا يعلم ويرى أنه لا يعلم فكلمه، ورجل لا يعلم ويرى أنه يعلم فلا تكلمه.

السبب في ذلك هو أن مثل هذا الشخص، الذي لا يعلم ويظن أنه يعلم، يشكل خطراً كبيراً على من حوله، لأنه يعطيهم الإحساس بأنه مصدر موثوق من مصادر العلم، فيأخذ منه العامة دون سؤال غالباً، من كلامه ومن سلوكه، وهم يظنون أنهم ينالون حظاً من العلم، ولا يعرفون أنهم يشربون مرّ الجهل على يدي هذا الجاهل المتعالم، ولا يجد هذا الجاهل المتعالم من يفضح زيفه أمام نفسه، إن كان جاهلاً بذلك بالفعل، أو أمام الآخرين، كي يكون عبرة لغيره.

جامعة الاماراتي

sunono@yahoo.com