يكشف تفكيك الشبكة الإرهابية في المغرب الأسبوع الماضي عن خطر يتعرض له المغرب وهو ما يمكن أن نطلق عليه مسمى الإرهاب المعولم.
فإذا كان هناك خطر واضح يتمثل في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي هو جناح إقليمي لتنظيم القاعدة وهو تنظيم هو الآخر معولم، فان هناك اختلافا بين الخطرين ونستطيع أن نقول إن خطر هذه الخلية اكبر واشد من الخطر الآخر الذي يهدد معظم دول العالم وليس المغرب فقط.
فحسب ما تكشف من معلومات عن الخلية الجديدة، فان الخلية الجديدة التي قالت أجهزة الأمن المغربية إنها جزء أو جناح من حركة «الشبيبة الإسلامية»، لها امتدادات بحركات أخرى تجعل منها شبكة كبيرة تمثل خطرا لا يمكن ضبطه بسهولة بالنسبة لأجهزة الأمن الوطنية كما إن هناك ارتباطاً لمنتسبين سابقين بها بتنظيمات مثل القاعدة والجماعة الإسلامية المغربية المقاتلة والجماعة السلفية للدعوة والقتال، إضافة إلى أجنحة عسكرية في حزب الله.
وإذا كان المغرب في السابق بعيداً عن استنساخ التجربة الجزائرية لأسباب متعددة نذكر منها أن تجربة التحديث التي شهدها لم تكن متخاصمة مع الحركات الإسلامية إضافة إلى أن المؤسسة الملكية التي تعد هي المؤسسة المركزية في العملية السياسية كانت متحالفة بقدر أو آخر مع المؤسسة الدينية.
وقد اكتسبت هذه المؤسسة قدراً كبيراً من شرعيتها من انتساب رأسها أي الملك إلى آل البيت وكانت سياسة الدولة تقوم في جزء كبير منها على التنافس مع الجزائر، وكان احد أساليب هذا التنافس هو تطبيق نموذج بديل للتجربة الجزائرية سواء في السياسة أو شرعية الحكم أو التحديث وهو النموذج الذي لا يفصل بين الإسلام والحداثة، وهو ما يعني أن المقدمات المختلفة لابد وان تأتي بنتائج مختلفة حالت دون استنساخ التجربة الجزائرية التي تحولت إلى صراع ضارٍ بين الدولة التي تمثل الحداثة وجماعات الإسلام السياسي التي ترفضها.
يضاف إلى ذلك أن الاحتقان السياسي الذي شهدته الجزائر في ثمانينات القرن الماضي والذي أوجد أجواء إنتاج الأزمة الجزائرية لم يتكرر في المغرب حيث تكيف نظامها السياسي مع معطيات متعددة وطبق تجارب سياسية مختلفة جنبت البلاد تكرار الأزمة الجزائرية ونقصد بهذه التجارب الانتخابات السياسية التي جرت فيها وشهدت منافسة حقيقية بين القوى السياسية الحقيقية في المغرب وحكومة التناوب التي طبقها المغرب في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي والديمقراطية التعددية المفتوحة أكثر من التجارب المقيدة في باقي الدول العربية واللامركزية المحلية.
ولكن يبدو أن هذا النموذج الذي همش التيار الديني وأضاع عليهم تكرار نماذج سياسية متعددة، وهو الأمر الذي بدا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة والتي تراجع فيها التيار الإسلامي عن الانتخابات السابقة عليها، دفعت هذا التيار أو أجنحة منه إلى تبنى الفكر الانقلابي. فحسب المعلومات التي أذاعتها الأجهزة الحكومية المغربية فإن التنظيم الجديد الذي تم الكشف عنه كان يسير على محورين ، الأول سياسي يهدف إلى اختراق الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.
كما في تجربة حزب البديل الحضاري الذي تم حله والذي تحول إلى حزب سياسي مرخّص له عام 2005. والمحور الثاني فقد كان سرّياً ويشمل تشكيل حركة تستخدم العنف والسلاح أُطلق عليها اسم «مجموعة العمل الخاص» وأصبح لها فرع في مدينة القنيطرة شمال العاصمة.
وحسب تصريحات وزير الداخلية المغربي فان الخلية اعتمدت خطة طويلة الأمد لاختراق مؤسسات الدولة والأحزاب والمجتمع المدني.
كما تم الكشف عن أن الخلية كانت تخطط لاغتيال وزراء وضباط في الجيش وشخصيات متنفذة، إضافة إلى يهود من أصول مغربية.
وكذلك تم الكشف عن تورط زعيم التنظيم عبد القادر بلعيرج في اغتيالات خارج البلاد وعمليات سطو على مؤسسات مصرفية، خاصة في بلجيكا للحصول على أموال لاستخدامها في عمليات التنظيم.
وكل هذه الأفعال والممارسات يطلق عليها علماء السياسة مسمى الفكر الانقلابي، وخطورة الأمر تكمن في انه على الرغم من نجاح السلطات في الكشف عن هذه الخلية فليس هناك ما يمنع من التفكير في أن يكون هناك آخرون تبنوا نفس المنطق والمنهج في التفكير، بما يعني أن الخطورة ستظل قائمة في مواجهة الدولة المغربية.
يضاف إلى ما سبق أن سياق العملية الأخيرة يضع علامات استفهام كبيرة حول خطر الإرهاب المعولم في المغرب، فمن جهة فان أعضاء الخلية التي تم الكشف عنها من المغاربة المقيمين في بلجيكا، وهناك مئات الآلاف غيرهم من المغاربة المقيمين في دول أوروبية أخرى قد يكون بعض منهم تبنى هو الآخر الفكر الانقلابي.
يساعد على ذلك أن هناك منظمات إرهابية متعددة تستطيع أن تقدم معونات مالية وأسلحة ومساعدات لوجستية لمثل هؤلاء الأفراد أو الجماعات من اجل تنفيذ عمليات انقلابية مثل تلك التي كانت الخلية الإرهابية الأخيرة تعد لها، الأمر الذي يعني ان على أجهزة الأمن في المغرب أن تظل مستنفرة فترة طويلة من الوقت.
بل هناك ضرورة لان تتعاون مع أجهزة امن في دول أوروبية متعددة فضلا عن دول أخرى مجاورة لها من اجل التصدي لأية محاولات مشابهة بما يعني ضرورة أن تكون عملية التصدي لخطر الإرهاب المعولم هي الأخرى عملية معولمة، لا نعلم إن كانت دول المغرب العربي قد استعدت لها أم لا.
والذي يؤكد ما نذهب إليه أن هذه الخلية الجديدة ليست أول خلية يتم الكشف عنها، ولكن قامت أجهزة الأمن المغربية في السنتين الماضيتين بالكشف عن أكثر من خلية مشابهة، ولكن خطورة هذه الخلية، انه على الرغم من أن كل الخلايا السابقة كان لها ما يمكن أن نطلق علية «رابطاً أوروبياً» فان الرابط الأوروبي الأخير كان أكثر قوة وتماسكاً بما يؤكد الطابع المعولم من جهة.
ويشير إلى أن الخلايا السابقة بدأت تتعلم من أخطائها وتحكم خطواتها مع مرور الزمن يؤكد ذلك ما قام به زعيم الخلية من عمليات في بلجيكا من اجل توفير التمويل لعملياته في المغرب. فهل أحكمت أجهزة الأمن إجراءاتها لتتوافق مع إحكام الخلايا لعملياتها ؟ الإجابة عن هذا السؤال يتوقف عليها نجاح المغرب في التصدي للإرهاب المعولم من عدمه.
كاتب مصري