نحن هنا لا نفعل أكثر من مناقشة بعض المسائل الجوهرية الغير مفهومة للكثيرين للحصول على إجابة مقنعة وموضوعية، قد يعتقد من نطرح عليهم أسئلتنا بأننا (وأقصد العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام) لا نفقه شيئا وبالتالي فإن أي شيء يصدر من جهتهم (كونهم شعوبا متقدمة) يصبح أمرا مسلما به لدينا ما دمنا نحمل صفة العربي أو صفة المسلمين .

وهذه الأحكام قد تصدر لعدة أسباب منها (جهل) هذه الأطراف بعقلية العربي والمسلم، والحكم عليه عن بعد. هناك استخفاف واضح بنا لأسباب عديدة على رأسها أننا أصبحنا نمثل جانب المغلوب على أمره في المعادلة، ولو انقلبت هذه المعادلة في يوم من الأيام لأصبحنا في موقع آخر يحسب له ألف حساب.

لا يهم، وإلى أن تتغير الأمور دعونا ننطلق الآن من موقف الضعف ولكننا نتحدث إلى من يدعي أنه في موقع الحكم الموضوعي والنزيه والذي يريد أن يطبق علينا حكمته. مثلا، نحن في نظرهم شعوب غير عادلة، غير موضوعية، والقانون لديها أداة في يد الحاكم أو أنه يقف بطريقة فظة في جانب المصلحة الخاصة، لا نريد هنا تقديم كل الدلائل التي تؤكد ذلك،

ولكن ربما نكتفي بمثل واحد يثبت نظرتهم تلك؛ لماذا رفض الغرب على سبيل المثال نزاهة وموضوعية القضاء اللبناني أو العربي في التحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري؟ لماذا كان لا بد من تشكيل محكمة (غربية) دولية؟ وكذلك الأمر لما حصل بالنسبة لقضية لوكوربي؟

لا يهم. لنقل بأننا في حاجة إلى عدة عقود طويلة حتى نصبح منصفين قضائيا. وبأننا ما زلنا نحكّم مصالحنا وأهواءنا حتى في جزئيات تصرفاتنا. وأننا ما زلنا في حاجة لنظافة وصراحة القضاء الغربي، ولكن، إذا ثبت بأن الغرب المتحضر (والعديد من المؤرخين أصبح يشكك أكثر فأكثر في مصداقية الأحكام الغربية وموضوعيتها) .

وهو على قائمة الشعوب التي لا تتعامل بنظافة في مجال القضاء والمعاملة وأنه يكيل بأكثر من مكيال مع الغير، وأنه لا يقل عن الشعوب غير المتحضرة في هذا المضمار، وأن كل ما في الأمر أنه يستغل نفوذه وسطوة إعلامه في تزييف الوقائع وتقديمها على أنها حقيقة لا مجال في التشكيك فيها، بل يقوم بطمس الصوت الذي يدافع عن حقه؟

هل نريد مثلا واقعيا على ذلك؟ هناك أكثر من مثل، ولكن دعونا نناقش على الأقل آخر خبر تناقلته وسائل الإعلام قبل أيام. وهو بخصوص الجنرال الإسرائيلي (اليهودي) دورون ألموغ، المطلوب دوليا لجرائم حرب ضد الإنسانية قام بارتكابها، لقد وصل هذا الجنرال إلى مطار لندن على متن طائرة العال الإسرائيلية وكان الجنرال الإسرائيلي يعتزم القيام بزيارة إلى المملكة المتحدة للمشاركة في نشاطات اجتماعية وخيرية للجاليات اليهودية.

وكان من المفترض أن يتم إلقاء القبض على هذا الجنرال في الطائرة التي أقلته وهو على أراضي المملكة المتحدة. غير أن شيئا من ذلك لم يحصل، وسمح للطائرة بالمغادرة لإسرائيل وبها الجنرال المذكور بحجة أن إلقاء القبض عليه قد يؤدي إلى مواجهة مسلحة مع حرسه في مطار هيثرو.

طيب. لو كان مجرم الحرب هذا عربيا أو مسلما، هل ترى ستتردد الشرطة البريطانية لحظة واحدة في إلقاء القبض عليه؟ بالطبع لا. ولم نسمع في يوم من الأيام أن مطلوبا عربيا قد فلت من الشرطة الغربية، بل تتم المطالبة به وهو في عقر داره في بلده، وتتم محاكمته خارج وطنه، ويحكم عليه حتى بدون منحه حق تعيين محام للدفاع عنه.

هذا الحدث الذي كشفته البي بي سي على موقعها ليس إلا غيض من فيض، فكل التصرفات الغربية الأوروبية بالذات حتى التي تنتهك حقوق الإنسان فيها تبرر كيفما شاءوا ولكن في المقابل يصبح الصوت الآخر غير معتد به، وحتى في حالة أننا وجدنا من يجرؤ على الصراخ، فإنه للأسف لن يجد أذنا صاغية، حيث يضعه الإعلام الغربي المرئي والمسموع والمكتوب في الأدراج المظلمة أو في سلة المهملات.

لماذا احتشد العالم الغربي كله للإفراج عن أسير حرب إسرائيلي واحد بينما تعج السجون الإسرائيلية بعشرات الآلاف من العرب والمسلمين، دون أن يشعر أي أوروبي بوخز الضمير؟ لماذا ينام الضمير الغربي الموضوعي والنزيه أمام الآليات الإسرائيلية لتجرف مئات الآلاف من الفدادين.

وهدم البيوت وطرد ساكنيها من الأطفال والنساء والشيوخ منها بينما لا يغمض له جفن أمام صاروخ من صنع محلي يطلقه بعض المقاومين الفلسطينيين ليقع في أرض خلاء في فلسطين؟ لماذا يصبح المسلمون الذين ينوون الدخول في عالم الذرة شعوبا إرهابية بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية قادرة على تدمير العالم بأسره دون أن يوجه إليها أي تأنيب أو حتى لمحة عدم رضا؟

لذا لن نستغرب من أن يرفع أساتذة جامعات ألمان (خلال مؤتمر في كلية نتانيا الأكاديمية شمال تل أبيب، شعار «كفى للمعاملة الخاصة» لإسرائيل من جانب بلدهم كونها تأتي على حساب العلاقات مع العالم العربي وان ألمانيا سددت دينها للشعب اليهودي من خلال المساعدات المالية). هل سيصحو العالم يوما ما على ظاهرة الظلم الغربي المتحضر واللا إنساني ضد الدول التي تلاحق عجلة التنمية والتطور والتي يطلق عليها دول العالم الثالث؟

نحن لا نطالب أكثر من العدالة في المعاملة من قبل شعوب تدعي العدالة. والحقائق تملأ الصحف والمجلات والأخبار العالمية. والكل يسمع ويرى ويعرف ولكنه يشعر بشلل في قول شيء ما ضد هذه الممارسات اللا أخلاقية. سؤال أخير نود طرحه على حضارة الغرب منذ إنشائها إلى اليوم:

هل كان الغرب سيصمت عن العرب لو أنهم تعاملوا مع الأسرى الأوروبيين كما تعامل الجيش الأميركي مع سجناء العرب والمسلمين في سجون العراق وغوانتانامو؟ لماذا يحق للأميركي أن يستخدم أبشع أنواع التعذيب المحرمة دوليا للحصول على اعترافات السجناء ولا يعتبره خرقا لحقوق الإنسان.

بينما تقوم الدنيا وتقعد لو أن القضاء العربي قال كلمته في محاكمة مجموعة من الغربيين الأوروبيين المسيحيين الذين قاموا بحقن 430 طفلا ليبيا عربيا مسلما بدم ملوث بمرض الإيدز وبشكل متعمد؟ هذه الضغوط التي يمارسها الغرب على الضعفاء متى ترى سيمارسها على نفسه؟

لا أحد يعلم الإجابة، في عالم اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبح القضاء جزءا من لعبة دولية تدافع عن حقوق القوي الشخصية وتلغي حقوق الضعيف. لكن هناك خطا أحمر فاصلا واضحا بين منطقة النظافة ومنطقة القذارة، وكل يعرف موقعه من هذا الخط الفاصل.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com