الأسبوع الماضي شهد ولادة دولة جديدة، حين أعلن ألبان كوسوفو عن استقلال الإقليم، لتأخذ الدولة الجديدة مكانها بين موزاييك منطقة البلقان التي تعرضت لعملية تفكيك وإعادة تركيب تلائم المصالح الغربية التي قد تفضي في سنوات لاحقة إلى المزيد من عمليات التفكيك.

وبعيداً عن التحليلات النظرية العامة، وتحليل الاستراتيجيات والأهداف والمصالح المتضاربة بين الأقوياء في هذا الزمن، فإنني لا أجرؤ على الاعتراض من حيث المبدأ على حق الشعوب والقوميات في تقرير مصيرها حتى لو أدى ذلك إلى الانفصال، خصوصاً وأن الشعب الفلسطيني يناضل منذ عشرات السنوات من أجل انتزاع هذا الحق في الحرية والاستقلال.

أهل كوسوفو أعلنوا عن خطوتهم الاستقلالية بدون أن ينتظروا قراراً من الأمم المتحدة، وبدون أن يتوقعوا اتفاقاً على ذلك بين الدول الكبرى صاحبة النفوذ ومحتكرة عناصر القوة، فلقد فشل مجلس الأمن في استصدار قرار بالاعتراف بالدولة العتيدة.

دول الاستعمار القديم، التي يتجدد دورها بوسائل حديثة بحثاً عن المصالح والثروات، ومناطق النفوذ، هي التي حملت لواء التحضير لاستقلال كوسوفو وهي التي تتكفل بحماية الدولة الجديدة، وتأمين سبل تشكلها واستمرارها، ونموها الاقتصادي.

وهي الدول ذاتها التي تمتنع حتى الآن ومنذ زمن طويل عن اتخاذ قرار أخلاقي جريء، بمعاونة الشعب الفلسطيني على تحقيق استقلاله، بل إنها الدول التي تحمي إسرائيل، وتشجعها عملياً على قمع الشعب الفلسطيني، وتمدها بكل أسباب القوة، التي تمكنها أي إسرائيل من امتلاك زمام الهيمنة والمبادرة العسكرية في المنطقة.

خلال زمن قصير نسبياً منذ انهيار المنظومة الاشتراكية، ومعها الاتحاد السوفييتي السابق، والاتحاد اليوغسلافي، تدخل حلف الناتو عسكرياً وخاض حرباً ضروساً وبقي من قواته هناك نحو ستة وعشرين ألفاً، تشكل الذراع الميداني الذي يكفل تنفيذ وحماية القرارات السياسية التي تتخذها الدول التي بادرت إلى شن الحرب.

في حينه لم تقو روسيا التي تعاني أزمة التحول في البنية الاقتصادية، لم تقو على تسجيل اعتراف عملي قوي، ولم يكن وارد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين أن يراعوا مصالح غيرهم بما في ذلك روسيا التي تمتلك ترسانة نووية هائلة يصعب تحريكها في ظل اقتصاد ضعيف وغير مستقر.

ومرةً أخرى تذهب التحذيرات الروسية والصربية أدراج الرياح، فلقد اتخذ الشركاء الأوروبيون والأميركيون قرار دفع استقلال إقليم كوسوفو إلى العلن، وهيؤوا لنجاحه واستمراره كل الأسباب المطلوبة، فيما تحرص روسيا على أن لا يفهم اعتراضها على أنه بداية العودة إلى أيام وأشكال الحرب الباردة.

ومع أننا ندرك طبيعة الأهداف والمصالح والاستراتيجيات الأميركية والأوروبية التي وقفت وراء الحرب، وتقف وراء استقلال الإقليم، لكننا نعطي الأولوية لرغبة السكان في الاستقلال وحق تقرير المصير، فيما نحن نعلم أن إعلان الاستقلال هو نهاية المرحلة من مراحل التحرر الوطني وبداية مرحلة أخرى تبحث عن كيفية تحقيق الاستقلال عن الاستعمار الجديد بأشكاله الجديدة التي تحمي اليوم الدولة، وترغب في الهيمنة عليها ونهب ثرواتها لاحقاً.

في ظروف ولادة دولة جديدة من النمط وعلى النحو الذي نتحدث عنه، يفترض بدولة كإسرائيل، إن كانت تحظى ببعض الاحترام لذاتها، أو تتمتع بأي قدر من الأخلاقية، أن تشعر بالخطر ذلك أن الحالة الفلسطينية التي تشتبك منذ عشرات السنوات مع المحتل الإسرائيلي، تنطوي على مبررات للاستقلال أقوى بكثير، من تلك التي تؤدي إلى استقلال كوسوفو.

غير أن إسرائيل لم تبد كثيراً أو قليلاً اهتماماً بما جرى في البلقان ولا في أروقة الأمم المتحدة بعد ذلك، فهي لا تستطيع الاعتراض على قرار حلفائها الغربيين، وفي الوقت ذاته لا تستطيع منح الدولة الجديدة المستقلة الكثير من التأييد، حتى لا تسأل يوماً عن موقفها إزاء الرغبة الفلسطينية الجامحة في تقرير المصير.

من العبث توجيه السؤال لمسؤول غربي في موقع المسؤولية، عن هذا السلوك الذي ينطوي على تناقض وعلى ازدواجية في المعايير أكثر من واضحة وأكثر من فاضحة، فبالرغم من الفارق الكبير والنوعي بين حالتي كوسوفو وفلسطين، إلا أن صناع السياسة في الدول القوية والمتمدنة لن يخجلوا مما يفعلون، فهم إنما يدافعون عن مصالح بلدانهم، ولن يدّعوا بأنهم يقدمون مصالح الآخرين كأولوية على مصالحهم.

هنا وبدلاً من إضاعة الوقت في مساءلة من حضروا ودعموا استقلال كوسوفو، علينا أن نتوجه بالأسئلة إلى زعمائنا العرب، إلى نظامنا العربي الرسمي الذي يصاب بالهلع جراء الحراك الاجتماعي والسياسي الداخلي، وأخذ بالانقضاض على الهوامش المحدودة المتاحة أمام الإعلام، وحرية التعبير، وكل ذلك بدواعي حماية المصالح القومية والوطنية العليا.

أليست القضية الفلسطينية قضية عادلة، على الأقل بدليل عشرات القرارات التي صدرت وتصدر عن الأمم المتحدة، وبمشاركة رؤوس الاستعمار الغربي؟ ألا يعترف العالم كل العالم، بأن إسرائيل دولة احتلال، وأن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، هي أراضٍ محتلة، لا يجوز لإسرائيل تغيير معالمها؟

ألم يوافق العالم كله على رؤية الدولتين، والتي تعني قيام دولة فلسطينية استفاض بوش في شرح مزاياها، إلى جانب دولة إسرائيل؟

ألا تشكل القضية الفلسطينية، وما يدور حولها وعليها من صراع، كابحاً لخطط التنمية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي في المنطقة العربية، فضلاً عما يشكله هذا الصراع من استنزاف للموارد والطاقات، ومن تهديد للاستقرار والسلم، والأمن القومي العربي؟

هل يشك أحد في هذا العالم بأن الشعب الفلسطيني الذي يصل تعداده إلى نحو عشرة ملايين نسمة بين من يقيم داخل فلسطين التاريخية ومن يقيم في الشتات والمهاجر، نقول هل يشك أحد في أن ثمة إجماعا فلسطينيا منقطع النظير على الرغبة في الاستقلال وتقرير المصير والتخلص من الاحتلال؟

لماذا إذاً لا تستثمر الدول العربية خطوة استقلال كوسوفو، لمساءلة الدول الغربية عن موقفها المتردد إزاء دعم حق الفلسطينيين في الاستقلال وإقامة دولتهم على الأراضي التي أقر المجتمع الدولي بأنها محتلة وتعود لهم؟

لماذا لا تتولد إرادة عربية قوية لوضع الدول الغربية أمام خيارات واضحة ومحددة، لإحراجها، أو جعلها تتخذ مواقف وسياسات أكثر توازناً ومنطقيةً وعدلاً؟. وإذا كان من الوهم المجنون أن نتوقع حروباً تشنها الدول الاستعمارية على دولة استعمارية شقيقة لها.

رغم كل ما تقوم به إسرائيل من عربدة، وتحدٍ لإرادة المجموع الدولي، فلماذا تمتنع تلك الدول عن إرسال قوات أممية لحماية المدنيين الفلسطينيين من بطش الاحتلال؟ انظروا إلى ما يجري في دارفور، والصومال، وتشاد وو...إلخ، فإلى متى يبقى العالم متواطئاً، ويبقى العرب نائمين على حقوقهم؟

كاتب فلسطيني