روى لي أحد الأصدقاء قصة حصلت له منذ فترة وجيزة، حيث جاءته عبر البريد الإلكتروني رسالة من رجل مفادها أن هذا الرجل يوقظ أبناءه كل صباح ليصلوا معه في المسجد ويدعوا على صديقي، حيث إنه يظن بأن مقالات صديقي هي مقالات هدامة وتضر المجتمع.
وقال له في الرسالة إنه رأى في المنام بأن صديقي سيموت بعد مدة معينة. وما كان من صديقي إلا أن شكره على رسالته ورجاه بألا يوقظ أطفاله للدعوة عليه، فدعوته هو تكفي. وبعد انقضاء المدة المحددة في الحلم، أرسل صديقي رسالة إلى ذلك الرجل يقول له فيها إنه لم يمت بعد!
وبعد ذلك بمدة، ذهب رجل إلى والد صديقي هذا وقال له بأن ابنه علماني، ولأن والده كان رجلا كبيرا في السن ولا يعرف القراءة والكتابة فإنه لم يعرف معنى الكلمة، إلا أنه عندما التقى بابنه قال له بأن فلاناً قال عنك كلمة غريبة، قريبة من كلمة عماني، فصحح له ابنه وقال له: «تقصد علماني؟» فرد أبوه: «إيه نعم، عسى ما هي بكلمة شينه يا ولدي» فضحك الولد وطمأن أباه.
كلتا القصتين كانت نهايتهما سعيدة لصديقي ولكن محزنة لأبطالهما ـ على عكس الروايات البوليسية ـ فلقد عادا البطلين كل على حدة «واذكرا» بعد حين، فمع تطور المجتمع من حولهما ونضوج العقول، اكتشفا أن ما كانا يتنطعان به ما هو إلا كلام لقّن لهما دون أن يشعرا به، فلقد كانا يسمعان بعض المشايخ يطلقون لقب «علماني» على كل كاتب لا يعجبهم كلامه، حتى وإن كان بعيداً كل البعد عن العلمانية فإنهم يصنفونه فيها لأنها كلمة تمثل في عرف المسلمين إثماً عظيماً.
صديقنا هذا لم يكن علمانياً ولا ماركسياً ولا شيوعياً، بل كان وما زال تنويرياً من الجيل الجديد في منطقة الخليج، حيث بدأت هذه الفئة بالظهور الواضح إلى المجتمع قبل خمس أو ست سنوات تقريباً، ليشكلوا ـ دون أن يعلموا ـ حركة ثقافية وفكرية واجتماعية غير منظمة ولكن مؤثرة في المجتمعات الخليجية، ويحلو لي أن ألقّب هؤلاء بالتنويريين الجدد.
فعصر التنوير كما يعرف الكثير قد بدأ في فرنسا في القرن الثامن عشر تقريباً، أو يمكننا القول بأنه كان إحدى المراحل المهمة في عصر النهضة الأوروبية، ففي تلك الفترة كانت الكنيسة في أوج صراعها مع الفكر بعد أن هزمت في صراع العلم قبل ذلك، وكان رجال الدين في قمة صدامهم مع الفلاسفة الذين غيروا مسار التاريخ الإنساني.
لا أزعم أننا نعيش عصر تنوير جديد، فهذا شيء ستحلله وتستنتجه الأجيال القادمة، ولكني أزعم بأن بعض ظروف المجتمع العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص شبيهة بظروف المجتمع الأوروبي في تلك الفترة، فعندما نسمع رجلاً يطلق الفتاوى هنا وهناك.
فيكفّر هذا ويبرئ ذاك، يعود بي الزمن إلى عصر كان البابا فيه يبيع أراضي الجنة بصكوك باباوية، وعندما نسمع من يطالب جميع المسلمين ـ بمختلف ظروفهم ومواقعهم وإشكالاتهم ـ أن يأخذوا الفتوى من رجل واحد أو جهة واحدة فإنني أجد صعوبة في التفريق بين هذا القول وبين ممارسات عصور الظلام الأوروبية.
لقد كانت عصور الظلام حافلة بالكره تجاه الإسلام والمسلمين، الأمر الذي تجلى في الحملات الصليبية على الدولة الإسلامية، وها نحن اليوم نطبق ممارسات تلك العصور داخل المجتمع الإسلامي، ففي خطبة الجمعة الماضية رفع الخطيب يديه إلى السماء وبدأ يدعو ونحن نؤمن من خلفه.
فقال: اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم احرق حرثهم ونسلهم، فأنزلت يدي ولم أؤمن، فلم أستطع أن أفهم السبب الذي يدعوني للدعاء بالحرق والهلاك على أناس لا أعرفهم! نعم، أستطيع الدعاء على الإسرائيليين وعلى من يذبح العراقيين، ولكن لا أفهم لماذا آخذ جميع اليهود والنصارى في العالم بجريرة هؤلاء؟
أليست هذه الممارسات أشد ظلاماً من عصور الظلام ذاتها؟ فنحن هنا لا نتمنى لهؤلاء أن يموتوا فقط، ولكننا نستعين بربنا وربهم لكي يميتهم بالحرق، ويبيد أي أثر لهم على الأرض، في سلسلة بغيضة من الممارسات التي لا تمت إلى الدين بشيء. توقفت عند دعاء الإمام وتذكرت بأننا هكذا تعلّمنا في المدارس، حيث تخرجنا ونحن نعتقد بأن الإسلام عدو لجميع الديانات الأخرى، وأن المسلم مستهدف من «كل» شخص غير مسلم.
لا يختلف هؤلاء «الظلاميون» عمن يدعون إلى الانحلال وفصل الدين عن الحياة، فالظلاميون يستخدمون الدين كسلاح لتهديد الناس البسطاء، والمنحلون يستخدمون الانحلال والحرية المطلقة كطوق نجاة للهاربين من المحارق الظلامية، وقد تختلف الأساليب ولكن الأهداف التقت في السعي للسيطرة على تفكير الإنسان وعلى المجتمع.
التنويريون الجدد يقفون بعيداً عن كل هؤلاء، فهم لا يريدون للعادات أن تهدم ولا يسعون للثوابت أن تقوّض، ولكنهم لا يريدون حجراً على العقول وتطويقاً للفكر الإنساني، ويسعون لأن يكون لكل إنسان ـ بسيطاً كان أم مثقفاً ـ الحرية في طرح الأسئلة، والقدرة على اتخاذ القرار وإن كان خاطئاً.
التنويريون الجدد لا يحاربون الإيمان وإنما التعصب، ولا يحاربون الدين ولكن المؤسسات السلطوية التي نصبت نفسها «القائم بالأعمال الإلهية»، فالعلة ليست في الإسلام ولكن في طريقة نقله من مصادرها النقية إلى إنسان الشارع، فلا يجب أن توجد هناك مصفاة بين المصدر والمتلقي، حتى يتمكن كل شخص من الوصول إلى المنابع وارتشاف مائها على الطريقة التي تناسبه.
لقد كانت المشكلة بين التنويريين القدماء إبان عصر التنوير من أمثال فولتير وديدرو ودالمبير وروسو وغيرهم وبين الدين هي مشكلة معتقد، فلقد كانوا يحاربون الدين كمعتقد خاطئ وممارسات متسلطة، لذلك وصفوا بالملحدين، أما التنويريون الجدد فليست لديهم مشكلة مع المعتقد، بل إنهم يمارسون شعائر الدين كالصلاة والصيام وغيرها كأي مسلم يسعى للسعادة في الدنيا والآخرة.
إلا أنهم يتفقون مع القدماء في محاربتهم جميعا للممارسات المتسلطة التي جعلت كوبرنيكس يخاف من نشر كتابه الذي أثبت به بأن الشمس هي مركز الكون وذلك خوفاً من غضب رجال الدين وسلطة الكنيسة، وهي نفسها الممارسات التي أدت إلى تفجير برجي التجارة في نيويورك.
التنويريون الجدد ماضون لا محالة، فمن ذا الذي يستطيع أن يحجب أشعة النور؟ وكلماتهم ستقرأ شئنا ذلك أم أبينا، فمن ذا الذي يستطيع أن يمنع عينيه من قراءة نص وقعت عليه؟ إن لحظات التنوير قصيرة جدا في تاريخ البشرية ولكنها مؤثرة جداً لدرجة أنها تعيد كتابة التاريخ.
باحث إماراتي