أعفى الرئيس فيدل كاسترو نفسه من الاستمرار في قيادة السلطة في كوبا، بعد أن أمضى حوالي نصف قرن زعيماً لتلك الجزيرة، تعرض خلالها لمئات محاولات الاغتيال والانقلاب (يقول المسؤولون الكوبيون إن عددها تجاوز سبعمئة محاولة).

وتعرضت البلاد لأطول حصار تشهده دولة في العصور الحديثة، حيث فرضت عليها الولايات المتحدة حصاراً شديداً لم تتراخ قبضته البتة منذ ستينات القرن الماضي حتى الآن، أضاع على كوبا فرصاً مهمة ذات أثر في تطورها وارتفاع مستوى حياة شعبها كحرمانها من تدفق الاستثمارات الخارجية أو المساعدات الدولية أو إغلاق الأسواق أمام بضائعها ومنتجاتها.

ومنع التصدير إليها واضطرارها لاستيراد المواد الحيوية وخاصة الطاقة من خارج القارة الأميركية (الشمالية والجنوبية) مما زاد التكلفة وحرمها من التسهيلات وجعلها تعتمد كلياً على الاتحاد السوفييتي في هذا المجال، ويقدر الاقتصاديون أن كوبا خسرت مباشرة أو فاتت عليها أرباح بعشرات مليارات الدولارات خلال نصف القرن المنصرم.

وقد مرت مرحلة قاطعت فيها دول أميركا الشمالية والجنوبية كوبا (باستثناء المكسيك) عام 1962 مقاطعة مطلقة، وطُردت من منظمة الدول الأميركية وتم التعامل معها كالتعامل مع المجذوم خلال عشرات السنين.

وذلك كله بسبب تبني قيادتها سياسة محاربة الاحتكارات في المرحلة الأولى ثم تبني العدالة الاجتماعية تالياً ثم تحول نظامها السياسي إلى نظام شيوعي ودائم بقيادة فيدل كاسترو الذي تولى حكم كوبا بعد ثورة منتصرة عام 1959 وما زال يقودها حتى الأسبوع الماضي.

لعب النظام السياسي الكوبي دوراً كبيراً في تطور أحداث العالم وخاصة دول أميركا اللاتينية، فبسببه كادت تحدث حرب عالمية ثالثة عام 1962 أيام الرئيس جون كينيدي بسبب نصب الصواريخ السوفييتية في كوبا، لولا أن عقدت صفقة بين كينيدي وخروتشوف في اللحظة الأخيرة تمثلت في الوصول إلى حل وسط جوهره سحب الصواريخ السوفييتية من كوبا مقابل التعهد بعدم غزوها عسكرياً من الولايات المتحدة وسحب الصواريخ الأميركية من تركيا واتفاقات أخرى أقل أهمية،

كما لعبت كوبا دوراً كبيراً في الحركة الثورية العالمية، سواء في دول أميركا اللاتينية (بطريق دعم الحركات الثورية بالمال والسلاح) وكلنا يذكر بذور ثورة غيفارا الموءودة في بوليفيا أم في بلدان أفريقيا (التواجد العسكري الكوبي في أنغولا 1975 وزائير 1977 وفي دول أفريقية أخرى) أم في السمعة العالمية للثورة الكوبية التي ألهبت الشعور الثوري في معظم بلدان العالم وكانت ملهماً للثورات،

وأخيراً بسبب إقناعها حركات تحرر عالمية عديدة بإمكانية الوقوف بوجه الولايات المتحدة مهما كان جبروتها، بدليل المثال الكوبي الذي صمد بوجه الحصار والعقوبات والاستفزازات وتحريض عشرات آلاف اللاجئين الكوبيين المتضررين من الثورة المقيمين في فلوريدا والمتحفزين للقيام بأي عمل من أعمال الثورة المضادة بما في ذلك التطوع لعمل عسكري (كما كان حال الإنزال العسكري الفاشل في خليج الخنازير عام 1961) بدعم هائل من الولايات المتحدة.

لم تكن ثورة كوبا مثالاً للصمود والحراك الثوري فحسب، بل حققت منجزات لشعبها يضرب بها المثل وخاصة في مجال التعليم حيث ألغت الأمية منذ السنوات الأولى لقيامها وفي مجال الخدمات الطبية التي تجاوزت في تطورها البلدان النامية كافة وعديداً من البلدان المتقدمة،

وصدّرت آلاف الأطباء إلى بلدان أميركا اللاتينية فضلاً عن انعدام مظاهر البؤس فيها الموجودة في بلدان أميركا اللاتينية والتي تعبر عن نفسها بوجود أطفال الشوارع وبيوت الصفيح وعشرات آلاف المشردين بدون مأوى، وأمنت حداً أدنى من الكفاية لجميع سكانها وقسطا كبيراً من العدالة الاجتماعية وهو ما تفتقده بلدان أميركا اللاتينية جميعها، ويحق للنظام السياسي الكوبي في الواقع أن يفتخر بمنجزاته في هذه المجالات.

واجهت الثورة الكوبية أقسى أيامها وأكبر صعوباتها بعد انهيار الدول الاشتراكية حيث كانت تستورد الطاقة وتبيع منتجاتها وتتلقى بعض المساعدات، ووصل الأمر بها أن عادت للحراثة على الثيران والاستعانة بالدواب بدلاً من الآلات في عملياتها الزراعية بهدف مواجهة الحصار الأميركي والحفاظ على ثورية النظام،

ولكن تهاوي الأنظمة اليمينية والفاشية والمتعاملة مع الاحتكارات في أميركا اللاتينية وقيام أنظمة جديدة تقدمية أو اشتراكية في فنزويلا والبيرو والتشيلي والبرازيل وغيرها فك الحصار جزئياً عن كوبا وعوضها عن خسارتها للبلدان الاشتراكية وقدم لها مجدداً نسغ الحياة.

لاشك أن توجهات الأنظمة (التقدمية والاشتراكية) الجديدة في أميركا اللاتينية تختلف اختلافاً بيناً عن توجهات النظام الكوبي، فهي وليدة اقتصاد السوق والانفتاح والعولمة والاعتدال، وقد حافظت على علاقات (براغماتية) مصلحية مع الولايات المتحدة.

وتخلت إلى حد بعيد عن سطوة الإيديولوجيا، إلا أنها دون شك كانت حليفة جدية ومخلصة لكوبا تقدم لها العون والمساعدات وتستقبل بدورها آلاف المعلمين والأطباء الكوبيين الذين يساهمون في نهضة هذه البلاد وتطورها.

سواء خلف كاسترو أخوه راؤول أم غيره من رفاقه رئيساً لمجلس الرئاسة فمن المتوقع أن يبقى ظل كاسترو مهيمناً على جوهر النظام السياسي، إلا أنه من المتوقع أيضاً أن يميل النظام إلى الاعتدال قليلاً ويجري انفتاحاً أكثر في مجالات الزراعة والسياحة واقتصاد السوق وفي مجالات تجارية أخرى فضلاً عن القيام بمحاولات جادة للسير في خطوات (مهما كانت بطيئة) لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.

ولعل راؤول كاسترو أعطى إشارات عديدة في هذا المجال خلال العام والنصف الماضيين من توليه الرئاسة بالوكالة، وربما كان فيدل كاسترو نفسه مقتنعاً بهذا التوجه على أن يتم على يد غيره. لاشك أن كوبا على أبواب تحول جدي في سياستها وتطورها بعد كاسترو تنفتح فيه على اقتصاد السوق والاقتصاد العالمي وعلى الولايات المتحدة أيضاً

كاتب سوري