يُعقد في دبي في الرابع والعشرين من فبراير الجاري ولمدة أربعة أيام، المؤتمر العالمي السابع للسواحل وهندسة الموانئ، لمناقشة 226 ورقة بحثية من 43 بلداً، من ضمنها 14 ورقة بحثية من دولة الإمارات العربية المتحدة تتناول موضوعات تتعلق بالبيئة البحرية في خور دبي، وتأثير المشاريع الضخمة التي تقام على سواحل الخليج العربي والتي تقدر كلفتها ب100 مليار دولار، وهذا المؤتمر هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط.

ونظراً لأهمية هذه الدراسات، آثرت في هذه السطور مقاربة الموضوع من زاوية أخرى تتعلق بمستقبل البيئة في الخليج العربي، التي تتعرض لتهديد خطير غير منظور.

الخليج العربي واحد من أهم الممرات المائية في العالم، بسبب غزارة الثروة النفطية المتوافرة فيه، وبسبب كونه شريان الحياة لعدد من الدول الثماني المطلة على سواحله والتي تستخدم مياهه وثرواته لشتى الأغراض.

وهو ممر مائي شبه مغلق يبلغ طوله نحو 860 كيلومتراً، وتبلغ مساحته 233100 كيلومتر مربع، ويبلغ معدل عمقه قرابة 35 متراً، ولا تزيد درجة حرارة سطحه على 26 درجة سيليزية. ويقع هذا الخليج ضمن المنطقة الجغرافية التي تزيد فيها معدلات تبخر المياه كثيراً على معدلات هطول الأمطار.

فمعدلات التبخر في الخليج عالية جداً بسبب ارتفاع درجات الحرارة في معظم فصول السنة، ويعتبر الخليج أحد أبرز بحار العالم التي تفقد المياه العذبة، ويزداد تبعاً لذلك تركيز الأملاح في مياهه وترتفع نسبتها، خاصة ان معدلات هطول الأمطار ضئيلة جداً ولا تعوض ما يُفقد في عملية التبخر. فلو أجرينا مقارنة بين معدل تبخر المياه في الخليج وتبخرها في بحار أخرى، فسوف نفاجأ بوجود فوارق كبيرة للغاية.

إذ يتراوح مقدار التبخر السنوي فيه بين 150 سنتيمتراً إلى 400 سنتيمتر، أي بمعدل قدره 275 سنتيمتراً، وهو مقدار مرتفع جداً مقارنة بمعدل التبخر في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يساوي 15 سنتمتراً فقط. وفي ضوء ذلك فإن مقدار ما يتبخر من مياه الخليج يساوي 20400 متر مكعب في الثانية الواحدة، أما مقدار ما يُصب فيه من المياه من الرافد الوحيد، شط العرب، فيقدر بحوالي 1750 متراً مكعباً في الثانية.

وهذا الفارق الكبير في مقدار ما يفقده وما يكسبه من المياه العذبة، يعبر عن خلل كبير وخطير في الموازنة المائية، تنجم عنه زيادة نسبة الأملاح وتغيير البيئة المائية نحو الأسوأ، إذ إن أحد الشروط المهمة للحفاظ على التوازن البيئي، هو أن يحافظ الخليج على الموازنة المائية، فقد تكيفت الحياة المائية فيه، بشقيها الحيواني والنباتي، إلى التأقلم مع الخصائص التي تنبثق عن هذه الموازنة.

وتزداد نسبة الملوحة في مياه الخليج كلما ابتعدنا عن مضيق هرمز باتجاه الشمال، فهذه النسبة تبلغ 38 غراماً من الأملاح في اللتر الواحد عند مدخله (مضيق هرمز)، وتصل إلى ما يتراوح بين 60 إلى 70 غراماً في اللتر الواحد في أعاليه (خور موسى)، في حين لا تزيد نسبة الملوحة في البحار عادة على 34 غراماً في اللتر الواحد.

تتطلب الموازنة المائية في الخليج وجود مصدر من المياه العذبة يصب فيه مقداراً من المياه يعادل ما يتبخر منه، وإذا استثنينا مياه الأمطار، فهي ضئيلة جداً لا تكاد تذكر، يتبقى المصدر الوحيد هو شط العرب في الجزء الشمالي من الخليج، وهو نهر كبير ترفده أربعة أنهار، هي نهرا دجلة والفرات اللذان ينبعان من تركيا ونهرا الكارون والكرخة اللذان ينبعان من إيران. إلا أن شط العرب قد فقد الكثير جداً من مياهه في السنوات الأخيرة، مما خلق الخلل الخطير الذي أشرنا إليه.

فقد بدأت تركيا منذ عام 1980 بتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (الكاب) في الجزء التركي من حوضي دجلة والفرات، والذي يعتبر من المشروعات التنموية الكبيرة، ويتضمن هذا المشروع إنشاء 22 سداً و19 محطة كهرومائية لإنتاج الطاقة الكهربائية، إضافة إلى العديد من السدود الصغيرة لإرواء أراض تزيد مساحتها على مليوني هكتار، وسيتم الانتهاء من تنفيذه عام 2010.

كما أنشأت سوريا سدين على نهر الفرات لغرض تحويل بعض مياهه إلى خزانات كبيرة، بغية استخدامها لأغراض الري. وأنشأت إيران واحداً من أضخم السدود في العالم على نهر الكارون الذي يصب في شط العرب، وذلك لأغراض إروائية أيضاً. وبذلك أصبح معدل ما يتوافر من مياه في مصب شط العرب أقل كثيراً مما كان متوافراً في السنوات التي سبقت بناء هذه السدود، وهي على أية حال ليست مياهاً عذبة تماماً، إذ تحتوي على نسبة من الأملاح تزيد كثيراً عما تحتويه المياه العذبة.

كما أن من متطلبات بقاء هذه البيئة الخليجية في وضع سليم، وجود دوران مستمر للمياه، وهي عملية بطيئة للغاية تستغرق في الظروف الطبيعية عدة سنوات، ومن المؤكد أنها ستصبح أكثر بطئاً كلما تناقصت كميات المياه التي يصبها شط العرب في الخليج. ومن المحتمل جداً في السنوات القادمة أن تُستنزف جميع مياه الأنهار التي تصب في شط العرب قبل وصولها إليه.

وذلك لتزايد الحاجة إليها في كل من تركيا وسوريا وإيران والعراق، بسبب زيادة عدد السكان من جهة وتوسع مشاريع التنمية الصناعية والزراعية في هذه الدول من جهة أخرى، وعند ذاك سيتحول الخليج تدريجياً إلى وضع قريب الشبه بوضع البحر الميت، بسبب استمرار ارتفاع نسبة الأملاح فيه، خاصة في المناطق الشمالية منه.

في ضوء ما ذكرنا ستتغير البيئة المائية للخليج مع زيادة نسبة الأملاح في مياهه، مما سيؤدي إلى انقراض بعض الكائنات النباتية والحيوانية التي لن تستطيع التأقلم مع التغيير. كما ستزداد كلفة تحلية المياه كلما ابتعدنا عن مضيق هرمز، فزيادة نسبة الأملاح في المياه تتطلب تسليط المزيد من الضغط لمعادلة الضغط الإزموزي.

وبالتالي الحاجة إلى المزيد من الطاقة الكهربائية لتشغيل أجهزة التناضح العكسي، وهي التقنية الأكثر شيوعاً في تحلية المياه في دول الخليج.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam