بعد إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا من جانب واحد بدأت تتوالى الاعترافات بالكيان الجديد الذي لم يحظ حتى الآن بالشكل الدولي للاستقلال نظراً لامتناع العديد من الدول عن الاعتراف به، وبينها دول كبيرة أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي مثل روسيا والصين.
كما أنه رغم تأييد العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي لاستقلال كوسوفو فإن انضمامها للاتحاد أمر بعيد المنال وشبه مستحيل في الظروف الحالية.
ربما نسمع خلال الأيام القادمة عن اعترافات من دول عربية بكوسوفو خاصة بعد الاعتراف السريع من الولايات المتحدة بها، وربما يكون هناك تأييد شعبي عربي وإسلامي لاستقلال كوسوفو، وذلك كعادة المسلمين العرب الذين ينجرفون بحماسة دينية لاتخاذ مواقف غير محسوبة دون دراسة الأوضاع بشكل علمي وموضوعي، وقد سبق للعرب أن فعلوا ذلك مع البوسنة بدافع الحماسة الدينية ولم يكتفوا بالاعتراف بها بل اندفعوا يدعمونها بالمال والتبرعات والمساعدات دون غيرهم من دول وشعوب العالم، وذهب العديد من الشباب العرب يحاربون هناك تحت راية الجهاد الإسلامي.
وعندما استقلت البوسنة ووقفت على قدميها كان أول ما فعلته أن أعطت ظهرها للعرب وللمسلمين جميعاً وبادرت بتأسيس علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل أن تؤسس علاقات مع الدول العربية التي دعمتها وساعدتها من أجل الاستقلال.
أيضاً سبق للعرب أن دعموا أفغانستان في حربها ضد السوفييت، وتوالى الشباب العربي على أفغانستان تحت راية الجهاد التي رفعتها آنذاك أميركا بأيدٍ عربية، ثم اكتشفنا بعد ذلك أننا أصبحنا إرهابيين ومتطرفين ومنبوذين في العالم كله بسبب أبنائنا المجاهدين في أفغانستان.
كذلك ذهب شبابنا يجاهد في الشيشان وتوالت حملات جمع التبرعات للمقاتلين في الشيشان، ووصلت التبرعات إلى مبالغ وأرقام خيالية لم يصل منها للشعب الشيشاني اللاجئ في الدول الأخرى أي شيء بينما تصارع عليها المقاتلون الانفصاليون وقاموا بتصفية بعضهم البعض بالقتل أو بالدسيسة والخيانة من أجل المال.
ووقف الأئمة والخطباء يدعون بالنصر للمجاهدين المسلمين في الشيشان وأفغانستان والبوسنة، والجميع يدعو لهم بالاستقلال والنصر، ولم يسأل أحد نفسه ما الذي سيعود على الإسلام والمسلمين من استقلال الأجزاء الصغيرة التي يسكنها مسلمون عن أوطانهم الأم الكبيرة ؟
وكأننا نحن المسلمين لا نحب العيش مع الآخرين ولا نريد أن يعيش ديننا في مجتمعات كبيرة متحضرة ومتطورة لينتشر فيها، بل نريد أن نتحول إلى كيانات صغيرة منبوذة ومكروهة من جيرانها الكبار حتى تظل القوى الأخرى الكبيرة تستغلنا في خصوماتها ومصالحها السياسية والاقتصادية، ولنظل دائماً نحن الضحية التي تدفع الثمن دون أن تحصل على شيء.
فلنسأل أنفسنا ما سر الاهتمام والدعم الكبير من واشنطن لاستقلال كوسوفو، وكأن أميركا قد نصبت نفسها حامية ومدافعة عن الأقليات المسلمة في العالم، علينا قبل أن نعترف وندعم ونجاهد أن نبحث ونعرف جيداً من هم ألبان كوسوفو وما هو تاريخهم في المنطقة وما هي قضيتهم، ولماذا لا يعودون لوطنهم الكبير ألبانيا؟، علينا أن نعرف من هم القادة الألبان الذين يقودون حركة استقلال كوسوفو مدعومين من واشنطن، من هم ومن أين أتوا وماذا فعلوا من قبل ؟
وماذا سيفعلون في المستقبل؟، وهل دعمتهم واشنطن فقط من أجل الاستقلال أم ماذا تريد منهم بعد ذلك؟، وهذا هو بيت القصيد، الجميع يتوقع أن يشتعل البلقان من جديد ويعود حلف شمال الأطلسي يسترد هيبته ومكانته التي انهارت في أفغانستان ليعربد في البلقان مثلما فعل من قبل في التسعينات، ولتعود واشنطن تفرض هيمنتها ونفوذها على أوروبا معتبرة نفسها الشرطي الوحيد القادر على حمايتها، وسيكون ألبان كوسوفو أول وقود للحرب القادمة.
وهذا ما يتوقعه الخبراء والمراقبون، أما ما نتوقعه نحن فهو أن العرب سيعودون يمارسون عادتهم القديمة في تقديم الدعم والأموال ودفع الشباب المجاهد من أجل ألبان كوسوفو (المسلمين) الذين لم يرفعوا الشعارات الإسلامية بعد ولن يرفعوها الآن حتى لا يسببوا الإزعاج للأوروبيين الذين سيعترفون بهم، لكنهم حتما سيرفعونها في المستقبل القريب وبأوامر من واشنطن حتى يحصلوا على الدعم المادي والبشري من العرب الذين اعتادوا دائماً أن يدفعوا فواتير الحروب الكاذبة والجهاد المزعوم البعيد تماماً عن دين الإسلام وتعاليمه.
هكذا سنخطئ كما أخطأنا كثيراً من قبل لأننا ندعم جهات لا نعرفها ولا نعرف تاريخها ولا أهدافها ولا من يقف وراءها، لتتحول المجتمعات الإسلامية في العالم إلى معسكرات للإرهاب وبؤر منبوذة وشاذة ومرفوضة من جيرانها ويديرها قادة مشبوهون ومرتزقة يعملون لحساب جهات عبر المحيط تدعمهم بالمال ليدفعوا المسلمين البسطاء للموت باسم الإسلام الذي جنى عليه المسلمون بجهلهم أكثر مما جنى عليه أعداؤهم.