يوشك الاتحاد العربي للنشر الإلكتروني، ـ الذي أُعلن عن إنشائه في مايو ـ 2007م، في إمارة الشارقة برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة ـ أن يكمل عامه الأول، محفوفا بالكثير من الأحلام والطموحات، ومصطدما بكثير من عوائق الواقع التي يستطيع بلا شك مواجهتها وتجاوزها.

إذا تمكن أعضاؤه والقائمون عليه من فهم واقع حركة النشر في وطننا العربي فهما صحيحا، ومعرفة الثغرات التي تصلح لأن تكون المداخل الأساسية لتسريب مفهوم النشر الإلكتروني بوصفه خيارا مترافقا مع النشر الورقي، وليس بديلا له.

إن كثيرا من مشاعر الخوف والتوجس التي ظهرت بمجرد الإعلان عن إنشاء اتحاد عربي خاص بالنشر الإلكتروني تنبع أساسا من مجرد احتمالات وظنون ترى أنه جاء ليحلّ محلّ النشر الورقي، مع أن الواقع يقول غير ذلك، لأن الكتاب الورقي يفرض نفسه مصدرا للعلم والمعرفة يوما بعد يوم، ويحظى باهتمام متزايد عاما بعد عام، على مستوى العالم العربي، كما على مستوى العالم أجمع ـ مع تفاوت معروف في درجة الاهتمام بينهما ـ فأي مسوّغ يسوّغ هذا الإحساس المتزايد بالخوف من انتشار النشر الإلكتروني، وسحبه البساط من تحت أقدام النشر الورقي؟

هذه واحدة من العقبات التي يواجهها الاتحاد العربي للنشر الإلكتروني، وهو يحتاج إلى وقت زمني كافٍ ليبين فيه فعلا وليس قولا فقط أنه جاء مكملا للنشر الورقي، وحافظا له، وليس منافسا فقط، ومن الضروري التشديد على فكرة المنافسة، فهي التي يمكنها أن تنعش «سوق» النشر إن اشتعلت شرارتها بين عالم الورقيين، وعالم الإلكترونيين.

ومن الضروري أن يدرك جميع المنتسبين إلى فضاء النشر الإلكتروني أنهم لم يأتوا ليزاحموا النشر الورقي، وبعد أن يدركوا هذه الفكرة الأساسية عليهم أن يروجوا لها، حتى لا تتكاثف سحابة من الظنون السوداء حول هذا الاتحاد الوليد، من الممكن أن تقف عائقا بينه وبين أية نوايا لتعاون مستقبلي مع النشر الورقي التي قد تتحول إلى واقع، بعد أن تترسخ قدم النشر الإلكتروني في العالم العربي على نحو مختلف عما هو سائد حاليا من إعادة إنتاج ما هو موجود ورقيا، وتقديمه إلكترونيا.. هذه الخطوة مهمة وضرورية، ومن شأنها حفظ الإرث الإنساني كافة.

وقد قطع الغرب شوطا كبيرا في ذلك، ونحن لا نزال نتحدث عن مشاريع لحفظ التراث العربي، جزء كبير منها لا يزال حبرا على ورق. لكن المهم هو أن نفكر أيضا في كيفية استثمار إمكانيات التكنولوجيا الرقمية، وأن ننفتح على آفاق أوسع يتيحها النشر الإلكتروني بآلياته ووسائله المختلفة، لا أن نعيد تقديم المحتويات الورقية إلكترونيا فقط.

العقبة الثانية التي يواجهها الاتحاد العربي للنشر الإلكتروني، ويمكن أن نقف عندها في هذه العجالة تتعلق بارتفاع نسبة الأمية الحاسوبية في عدد كبير من دول الوطن العربي، وهذه واحدة من أهم التحديات التي تواجه مستقبل النشر الإلكتروني عندنا، ويحتاج هذا الاتحاد الناشئ إلى القيام بإجراءات فعالة وجادة للتخلص منها، ومحوها بخطوات أكثر فعالية من تلك التي اتُخذت للقضاء على الأمية التقليدية، التي لا تزال متفشية في كثير من الدول العربية حتى اليوم.

كيف يمكننا أن نتحدث عن مستقبل مشرق للنشر الإلكتروني في الوطن العربي إذا كانت نسبة الأمية الحاسوبية فيه كبيرة ومتفشية، جنبا إلى جنب مع الأمية التقليدية؟

ربما يستطيع الاتحاد أن يطرح عددا من الإجراءات الفعالة التي تساعده على النهوض بمشاريعه التي نتوقع أن يكون سقف طموحاتها مرتفعا جدا، وأول هذه الإجراءات هو السعي للقضاء على الأميتين.. التقليدية والحاسوبية، أو على الأقل السعي للتقليل منهما وتحجيمهما؛ فقد ذكرت الألكسو (2007م) أن عدد الأميين في العالم العربي يبلغ سبعين مليونا!!

وإذا بقيت نسبة الأمية التقليدية مرتفعة على هذا النحو، وتمثل علامة مخزية في سجلات تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا فكيف يمكن أن نفكر في النشر الإلكتروني لمن لا يعرف أبجديات القراءة والكتابة؟ وما الذي سنحققه إذا قفزنا لمحاولة معالجة الأمية الحاسوبية التي تعد مرتفعة جدا ونحن نعلم أن عددا كبيرا من هذه الفئة المستهدفة يحتاج إلى أن يتجاوز أميته التقليدية أولا.

ثم يمكن أن نفكر في تخليصه من الأمية الحاسوبية، علما بأن نسبة مستخدمي الشبكة العنكبوتية في العالم العربي، بحسب بعض الإحصائيات تبلغ 2% تقريبا، في حين تبلغ في «الكيان الإسرائيلي» على سبيل المثال 25%.

لسنا هنا للوقوف على العقبات فقط، فمن الضروري أن نتكلم أيضا عن الحلول والمقترحات التي من شأنها أن تأخذ بيد هذا الاتحاد الناشئ، وأن تساعده على أن يؤسس لنفسه قاعدة متينة راسخة، تعينه على الوقوف في وجه التحديات المقبلة، لأنها ستكون كثيرة وكبيرة، لذلك يجب أن يكون الأساس قويا.

ولعل أهم خطوة يجب على الاتحاد العربي للنشر الإلكتروني أن يباشرها هي ترسيخ مفهوم النشر الإلكتروني ـ الذي لم يأخذ حقه في الانتشار بعد للأسباب التي ذُكرَت ولأسباب غيرها ـ، والتعريف بأهميته، وبامتيازاته بوصفه وسيلة متناسبة مع العصر ومعبرة عنه، ثم وضع خطة بعيدة المدى تضع نصب عينيها إزالة شبح الأميتين: التقليدية والحاسوبية خلال مدى زمني محدد.

لقد وُلد هذا الاتحاد محفوفا بآمال كبيرة، وطموحات عالية جدا، والكل ينتظر منه أن يقدم عدة مشاريع تامة الإنجاز مع احتفاله بعامه الأول، وأذكّر هنا بأن الذي يولد وهو يزحف لا يستطيع أن يطير، وهذا الاتحاد وُلِد وهو متحفز.. يحرك جناحيْه ليطير في سماء الواقع بما سيقدمه من خلال العالم الافتراضي، وجميع العيون تترقبه، وتنتظر منه إنجازات بحجم الآمال والطموحات التي تحيط به، وهذا ما ستكشف عنه الشهور المقبلة.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com