لجان التحقيق يمكنها أن تضحي بنسبة كبيرة من الحقيقة والديمقراطية، طالما أن الهدف هو منع التصدع النفسي والاجتماعي في كيان الدولة برمته. بعبارة أخرى، لا تصدر التقارير في هذه الحالة الخاصة لأجل إثبات الجدارة الديمقراطية فقط.. الحال أنها تتجمل وتميل حتماً إلى تخبئة الكثير بحيث لا يطلع على «الحقائق الكاملة» إلا بعضاً من خاصة الخاصة. وهي في كل الأحوال لا تندرج في زمرة المصادر المعرفية عن ديمقراطية إسرائيل.
النخب الصهيونية الحاكمة تعرف ذلك، ولهذا لا يعبأ بعض الذين يدينهم فينوجراد بالتقصير والغباء الإداري والسياسي والعسكري في التعامل مع جولة صيف 2006 ضد حزب الله بالتقرير، ولا يمتثلون لحجم شعبيتهم المتدني في الشارع الإسرائيلي ويداومون في مواقعهم وبجاحة الزعماء في عيونهم، وعلى رأس هؤلاء إيهود أولمرت نفسه.
لكن بعض أصحاب الرأي والنظر من العرب لا يعرفون ما تعرفه النخب الصهيونية.. فقد طار الظن بهؤلاء حتى اعتقدوا أن حدود الشفافية والمساءلة والمحاسبة ودولة المؤسسات في هذه الديمقراطية، تبلغ مستوى نشر غسيل الدولة وإفشاء أسرارها على الملأ، أو يمكن أن تصل إلى أريحية الاعتراف بقابلية هذه الدولة للهزيمة المنكرة على يد العرب «المتخلفين»!.
على أن هذا الاعتقاد يهون قياساً بالخطيئة التي اقترفها معلقون عرب كثيرون وهم يعالجون فينوغراد ومسألة تقارير لجان التحقيق الإسرائيلية بعامة.. وقوامها الاستهزاء من افتقاد دنيا العرب لمنهجية المراجعة والتبصر الموضوعي في أسباب إخفاقاتهم وهزائمهم أمام إسرائيل، وكذا في مناحٍ كثيرة من حياتهم وقضاياهم المزمنة!. نلمس هذه الملاحظة من عاصفة التساؤلات التي انداحت في الأجواء الإعلامية والثقافية العربية حول الحاجة إلى فينوغراد أو أكثر عربيا. ونحسب بأنه لا صحة بالمطلق لهذا الزعم وأن المحتجين به يراوحون بين مواقع الغفلة وعدم الدراية ونقص المتابعة والإرجاف والكذب، أو أنهم في أسلم الفروض راحوا ينسجون على منوال موضوعة ذات جرس إعلامي جذاب.
فالشاهد أن إخفاقات العرب وهزائمهم في معمعة الصراع الصهيوني العربي منذ إطلالته الأولى إلى ساعتنا هذه، قد نالت حقها وزيادة من البحث وقراءة العبر واستخلاص الدروس .. جري ذلك أحياناً بشكل عاطفي ساذج وفي أحايين أخرى على نحو عقلاني علمي رصين . وفي تقديرنا أنه ما من هزيمة أو انتكاسة لحقت بالعرب، فرادى أو مجتمعين في هذه المعمعة الممتدة إلا وخاضت فيها مباضع الأدبيات العربية ذات الصلة، بحثاً عن مواطن الخلل، ونقداً للذات بل وجلداً لها.
ربما لم تأخذ هذه المراجعات شكل اللجان والتقارير الإسرائيلية الزاعقة، غير أنها لم تغب من أفق المناظرات المعمقة عربياً، لا سيما على الصعد الثقافية الفكرية ودوائر البحث المتخصصة. هذا وإلا ما معنى تحسن الأداء العربي في مواجهة إسرائيل بوتيرة ملموسة على منحنى الزمن؟!. وبم نفسر الفارق المذهل بين الإدارة العربية لمعركتي 1967 و 1973 بالنسبة للجيوش النظامية؟. من هو المنصف الذي ينكر ترقي أساليب هذه الإدارة فيما يتعلق بأسباب النصر والهزيمة؟!.
لا يتسع المقام لإدراج نماذج من جهود العشرات من رموز الفكر والعلم والحركة الذين أسسوا للمسافة التي يجحدها البعض بين أداء العرب أجمعين في جولة 1948 وأداء حزب عربي واحد عام 2006.. المنطق يقول انه لولا «فينوجرادات العرب» متعددة الأشكال وأصدائها الميدانية ما كان فينوجراد إسرائيل.
بل كما قد تأكد بشاهد إسرائيلي رفيع أن فينوجرادهم مزور منحاز يظهر غير ما يبطن. وفي كل حال فإن اعترافات أستاذ القانون وعضو لجنة فينوجرادف يحزقيل درور التي أكد فيها وجود اعتبارات سياسية وراء عدم إدانة الحكومة في التقرير توجب على هؤلاء الاعتذار لادعائهم الديمقراطية في كيان استيطاني عنصري، ولعدم تفهمهم لمغزى تقارير التحقيق في مثل هذا الكيان.
كاتب وأكاديمي فلسطيني