لا علاقة بين الشفافية والنزاهة والحياد وبين تقارير المحاسبة والتحقيق التي تجريها مؤسسة الحكم والسياسة في إسرائيل عقب كل انتكاسة تلحق بهذه الدولة. على غير الموقنين بهذه المقولة مراجعة تصريح يحزقيل درور عضو لجنة فينوجراد لصحيفة معاريف في يوم 6 فبراير 2008، الذي قال فيه ان «®.اعتبارات سياسية وقفت وراء عدم إدانة التقرير النهائي للجنة رئيس الحكومة إيهود أولمرت»، وان الأخير»®. يجب أن يبقى في منصبه لأنه يتبنى عملية سلام مع الفلسطينيين»!.
درور هذا أحد أبرز أساتذة القانون في إسرائيل، وهو حتماً يعنى ما يقول وليس مدسوساً على اللجنة إياها ولا محفوزاً على اعترافه بقوة معسكر الممانعة و التطرف الفلسطيني أو العربي ، والحق أن أقواله هذه لم تفاجئ سوى المأخوذين بالديمقراطية الإسرائيلية؛ الذين صدعوا رؤوسنا بالتساؤل الساخر عن الفينوجرادات الفلسطينية والعربية.
أما الحقيقة فهي أن تقارير التحقيق الإسرائيلية لا تعدو كونها أداة لتهدئة روع الإسرائيليين الذين تنتابهم الهواجس حول المستقبل والمصير بعد كل انتكاسة أو هزيمة في موقعة، وذلك بلغة رصينة تعرف ما ينبغي البوح به وما يتحتم كتمانه وتخبئته لأغراض تعبوية.
نلحظ ذلك من التلاقي المتكرر بين أحكام هذه التقارير وبين ما يتداوله المسؤولون قبيل صدورها كاجتهادات مرسلة. فبعيد معركة 1973 كان أولئك المسؤولون قد تحدثوا ملياً عن المفاجئة التي باغتتها بهم القوات المصرية والسورية، بما أدى إلى ارتباك أداء جيش الدفاع الأولى للحرب.. لا غير.
وصادف أن ذكر تقرير التحقيق في مجريات تلك المعركة الشيء ذاته بعد حين ، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، صادف أيضاً أن أشار تقرير فينوغراد إلى مسؤولية رئيس الوزراء ووزير الدفاع وقائد الأركان عن الفشل في إدارة جولة 2006 على لبنان وحزب الله، تماماً كما كان يتردد في مسامرات الإسرائيليين خارج خلوة إعداد التقرير!.
لا ندري ما إن كان من قبيل الصدفة أيضاً أن واحداً من تقارير لجان التحقيق في حيثيات الجولات الإسرائيلية المنكوسة لم يعلق ما يوصف بالفشل بذمة أداء الجبهات العربية ذات الصلة. هناك إجماع مدهش لدي المحققين الإسرائيليين علي إحالة هذا «الفشل» إلي عيوب ونقائص في الإدارة الإسرائيلية السياسية والعسكرية الميدانية.
وليس إلي احتمال تطور أداء العرب القتالي وأنماط إدارتهم للمعارك. لا يبدو العرب عند هؤلاء المحققين قوماً قابلين للتطور واستيعاب دروس هزائمهم المتوالية. الأمر وما فيه أن إسرائيل هي التي تخطئ في حساباتها أحياناً لا أن العرب يمكنهم إجادة الحساب والجهوزية.
لو أن تقارير التحقيق الإسرائيلية بلغت من الموضوعية والإنصاف مرتبة البوح بأن إسرائيل ربما تنكسر تماماً أمام العرب، لأدت إلى عكس المقصود بها على طول الخط، وهو إشاعة الرعب في الوجدان الإسرائيلي الجمعي. هذا على حين تأتي هذه التقارير لغرض محاولة بث الإحساس بالأمن التاريخي للاجتماع السياسي في كيان دولتي غير طبيعي، يقال انه لا يحتمل الهزيمة ولا يتحملها ويقدس الأمن.
يتربص الإسرائيليون بوجود دولتهم من الأساس كلما واجهوا إحساساً بالخطر أو الفشل العسكري بالذات. والمثير أن الهزائم الموضعية، وأحياناً الواسعة، لا تؤدي إلى مثل هذا السلوك أو الإشعاع المقيت إلا في إطار كيان مصاب بعيوب خلقية وأخلاقية جسيمة. هناك دول غير إسرائيل منيت بهزائم عسكرية تكسر الظهر، لكن نخبها وعامتها لم تقع فريسة هذه الشكوك..
حدث هذا مع بعض الدول العربية غداة هزيمتي 1948و1967 أمام إسرائيل ذاتها. مناسبة تلك الهزائم على قسوتها، لم تجمح بخيال أحدٍ إلى تصور أن واحدة من هذه الدول باتت آيلة للاستئصال والغياب من الخريطة الدولية. وحدها إسرائيل من دون بلاد « الشرق الأوسط» التي تبدو مرشحة لهكذا تصور جامح بين يدي أية هزيمة في معاركها الخارجية.
في دولة هذا مبلغ حساسية مواطنيها (مستوطنيها!) تجاه الوجود والعدم، لا يجمل بتقارير التحقيق أن تفصح عن كل شيء بما قد يراكم هذه الحساسية ويفاقمها. وظيفة التقارير أن تفعل العكس.
كاتب وأكاديمي فلسطيني