كما كان قد سبقه مشروع اليورو ـ متوسطي أو ما سميّ ب«المتوسطية» قبل أكثر من عشرين عاما، وقد فشل، فإن مشروع الاتحاد المتوسطي سيفشل هو الآخر، وذلك بسبب انعدام التكامل بين المجموعة المتوسطية أولاً، وبسبب التحديات العولمية والأميركية ثانيا.. أذكر أنني كنت قد نشرت دراسة بعنوان (المتوسطية: الشرعية التاريخية العربية ومشروع المتوسطية ) في مجلة دراسات عربية، يوليو 1988.

وفي كتابي العولمة الجديدة، 1997 قلت فيها: «ثمة خلل أساسي يكمن في قلب المتوسطية، ذلك هو الانقسام التاريخي بين دول الشمال ودول الجنوب ومواريثها جمعاء» كما قلت: «سيبقى مشروع المتوسطية مهمشا من قبل أميركا وبعض الدول الأوروبية..»!

لقد دعا نيكولاي ساركوزي مؤخرا إلى مشروع الاتحاد المتوسطي، واقترح انه سيتألف من ست عشرة دولة تمتد عبر جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا المطلة جميعها على البحر المتوسط: البرتغال، اسبانيا، فرنسا، ايطاليا، اليونان، قبرص، مالطة، تركيا، لبنان، إسرائيل، السلطة الفلسطينية، مصر، ليبيا، تونس والجزائر والمغرب.

ويهدف المشروع أساساً: لتأسيس اتحاد اقتصادي، وبحث قضايا البلدان الأكثر إثارة للجدل مثل إخفاق تركيا في الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، والهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، فصلا عن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، إذ سيوفر الاتحاد منتدى فيه إسرائيل وجيرانها من الدول العربية المشاركة معا. نعم، قال ساركوزي انه يدّق على أبواب بلدان البحر المتوسط لتشكيل مجلس يحّضر لعقد مؤتمر قمة تحت رئاسة يتم تداولها بالتناوب، وهو يتصور أن مشروعه يعدّ جسرا بين أوروبا والعالم الإسلامي.

وفي حين أعربت بعض البلدان عن تأييدها الكامل لتفعيل لهذا الاقتراح، فإن تركيا تقاعست، إذ اعتبرته مجرد آلية لإبقائها خارج الاتحاد الأوروبي، لأنها تعلم بأن ساركوزي نفسه قد جادل في الماضي جاعلا تركيا دوما هي آسيا الصغرى وليس من أوروبا الكبرى.

لقد اقترح تشكيل مؤسسات ومنظمات مشتركة، وهي بمثابة كيانات منفصلة ومتميزة. ووفقا للدكتور هادار، فإن الاقتراح هو امتداد لعملية برشلونة عام 1995 برعاية الاتحاد الأوروبي وهي تسعى إلى جعل 12 من بلدان حوض البحر المتوسط منطقة للتجارة الحرة بحلول عام 2010. هذه مبادرة برشلونة المسماة ب(الشراكه الأورومتوسطية).. وهو حاليا المحفل الوحيد فيها «إسرائيل والبلدان العربية الجلوس حول طاولة واحدة».

يقول الدكتور هادار أيضاً إن ساركوزي يريد الابتعاد عن فرنسا القديمة الممالئة للعرب، وتأسيس سياسة خارجية تمالئ إسرائيل لان التجارة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي قد زادت ثلاثة أضعاف في العقد الماضي. وعليه، فالمشروع معبر حقيقي إلى الشرق الأوسط حيث صادرات النفط.

كما أنه سيمتص النقمة على المهاجرين الذين أصبحوا قنبلة موقوتة تهدد الديموغرافيا في الاتحاد الأوروبي بكثرة ولاداتهم إزاء قلتها عند الأوروبيين، وسيزيل الحوافز إلى الهجرة نحو أوروبا وتوفير فرص عمل لهم في بلدانهم، وسيبدأ التعجيل في الروابط التجارية والاستثمارية بين أطراف الاتفاق.

لا جدال أن مثل هذه المبادرة سينظر إليها من قبل الولايات المتحدة كونها محاولة فرنسية لإضعاف موقف أميركا في المنطقة أولاً والعالم ثانياً، وهذا ما لا تسمح به وحلفائها أبداً! وبقول المؤيدون للمشروع انه سيمتلك «استراتيجية» ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها استراتيجية مكمله للاستراتيجية العسكرية الأميركية في خط الوسط، وكلاهما يتمثل هدفه النهائي «لدفع قضية السلام والإصلاح السياسي والاقتصادي» في المنطقة ـ على حدّ ما قيل حتى هذه اللحظة.

سينعقد اجتماع باريس في يونيو 2008 لوضع أسس سياسية واقتصادية وثقافية للاتحاد المتوسطي واقتراح إشراك اللجنة الأوروبية في الاتحاد المتوسطي، ولم يحدد الرئيس الفرنسي شكل ذلك الاتحاد الذي يريد إقامته بين ضفتي المتوسط. لكن على الأرجح لن يكون اتحاداً اندماجياً كما هو عليه الحال بين دول الاتحاد الأوروبي التي تعيش ـ باستثناء بريطانيا ـ باقتصاد واحد وبعملة واحدة هي «اليورو».

ولعل حضور الضفة العربية من البحر المتوسط في تفكير ساركوزي وغيره من رؤساء وملوك أوروبا، إنما يعود أساسا إلى هاجس الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من دول المغرب نحو أوروبا. وأصبحت تشكّل عبئاً ثقيلاً على الحكومات الأوروبية لأسباب متعددة أهمها العامل الديمغرافي، حيث أن هذه الحكومات باتت تتخوف من غلبة العناصر المهاجرة على الشعوب الأوروبية.

ومن ثم هناك العامل الأمني، فالمتسللون إلى دول الاتحاد قد يقومون بأعمال تخريب بعيداً عن أعين السلطات الساهرة، مما قد ينجم عنه خسائر كبيرة في النفوس والممتلكات. وأيضاً، فإن دولة الرفاه السائدة في أوروبا والتي تحسب حساباً لكل مولود جديد، قد ازدادت المطالب عليها بسبب كثرة المهاجرين وحاجة هؤلاء إلى الاندماج في المجتمع الأوروبي بكل عاداته وتصرفاته. وتدرك دول الاتحاد أن إيقاف الهجرة غير الشرعية إليها هو مهمة مستحيلة بالنسبة لها، خاصة أن قوانين هذه الدول فيها نزعة إنسانية.

لقد أخفقت مبادرة برشلونة للشراكة المتوسطية. لكن ظل الأمل يحدو الأوروبيين في التوّصل إلى صيغة تعاون مع دول المغرب العربي للحدّ من ظاهرة الهجرة فقط لا من أجل ضمّ هذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن خطاب ساركوزي في طنجة 23 أكتوبر 2007، يصبّ في هذا الاتجاه على الرغم من أنه دعا إلى إقامة اتحاد متوسطي.

فساركوزي هو نفسه يرفض دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بحجة خلفيتها الحضارية الآسيوية. ومن يرفض دخول دولة مسلمة مثل تركيا إلى الاتحاد لن يقبل بإقامة اتحاد مع دول عربية ومسلمة في المغرب العربي!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com