قبل ثمانية عشر عاما انشغلت شهورا بإعداد كتاب يرد على رواية عنوانها «مسافة في عقل رجل» كانت قد صدرت في القاهرة، ثم حجبتني المشاغل عن إكمال هذا الكتاب، وقبل ثماني سنوات كنت طرفاً في إثارة الجدل حول رواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر.

فقد كتب الروائي الكبير خيري شلبي مدافعا عن الرواية إثر تعليق نشرته صحيفة الأسبوع القاهرية، ورددت عليه في نفس الصفحة مفندا وجهة نظره، ومؤكدا أن حرية الإبداع لا يجب أن تعني حرية الهجوم على المقدسات، مما لفت انتباه الدكتور محمد عباس فطلب الرواية وكتب مقالا تحريضيا لا علاقة له بالنقد الأدبي، مما أثار الشارع المصري وقاد إلى إغلاق جريدة الشعب المصرية.

كانت قناعتي وقتها أن الروايتين تتضمنان تحريفا وإساءة للدين، وتستلزمان لفت انتباه القارئ للتعامل بحذر مع مضمونهما، وربما كانت حماسة الشباب والغيرة العمياء على الإسلام حاجبا لي عن التفكير في ما إذا كان نقدهما يمثل فائدة أم يعود بضرر أكبر على الفكرة، وهي إبقاء المقدس محل تقديس.

تذكرت ذلك وأنا أتابع بقلق قضية الرسوم المسيئة للرسول الكريم، وكيف تحولت من مسألة مستهجنة بعدما نشرتها صحيفة مغمورة هي «يولاندس بوسطن»، إلى قضية قومية في الدنمارك تتفق كبريات الصحف على إعادة نشرها الأربعاء الماضي إثر اعتقال 3 أشخاص من أصول مغربية قيل إنهم يخططون لقتل أحد رسامي الكاريكاتير الذين وضعوها.

ثم تعرضت قناعتي السابقة لزلزال آخر بعد جدل شهدته القاهرة حول كتاب بعنوان «الحب والجنس في حياة النبي»، طرح في معرض القاهرة للكتاب، وطالب الأزهر بمصادرته على اعتبار أنه «لا يتفق مع الأدب الواجب مع النبي صلي الله عليه وسلم وينزل بالاسم وصفة النبوة إلى مستوى العوام من الناس».

ورغم تأكيد مؤلفة الكتاب بسنت رشاد أن هدفها لم يكن سوى «استنهاض همة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية لتمحيص وتدقيق الأحاديث التي تناولت هذا الجانب، منعا لاستخدام الضعيف والمدسوس منها للهجوم على الإسلام وشخص الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم»، إلا أن ذلك لم يمنع البعض من الإفتاء بتكفيرها، ولم تتورع المنتديات الإلكترونية عن وصفها بألفاظ مبتذلة، ووصل الأمر إلى حد تهديدها بالقتل.

وراجعت أحداثا مشابهة ومعارك فكرية دارت طوال القرن الماضي حول كتابات لقاسم أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين وتوفيق الحكيم، فوجدت أن مهاجمة عمل فكري أو أدبي لا يضره بل يتسبب في ذيوعه وانتشاره، بل واقتناع الناس به وحرصهم على اقتنائه، وراجعت المعركة التي امتدت عقودا من عام 1959 وحتى نهاية القرن حول رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وكيف دفع التحريض شابا مهووسا إلى طعنه ومحاولة قتله عام 1994..

وبعد 45 عاما من الهجوم على الرواية صدرت وكتب لها الدكتور أحمد كمال أبو المجد، وهو كاتب إسلامي غير مختلف عليه، تقديما يمثل صك براءة للرواية من كل ما حيك حولها وحول كاتبها من «تهم»، وأكد فيه أن شخصية (عرفة) في «أولاد حارتنا» رمز للعلم المجرد، وأن شخصية »الجبلاوي« تعبير رمزي عن (الدين) وليست بحال من الأحوال تشخيصاً رمزياً للخالق سبحانه.

وطالب أبو المجد أن تتسع القلوب والعقول «لمزيد من حرية الكتاب والأدباء والمفكرين في التعبير عن آرائهم، وإطلاق مواهبهم، بالصيغ الأدبية التي يختارونها، دون حجر أو وصاية أو مسارعة إلى الاتهام وإساءة الظن، حتى لا (تكتم الشهادة) بيننا وتموت، وحتى لا تتجمد الأفكار على أطراف الألسنة والأقلام، فتحرم الجماعة من زاد ثقافي وعلمي تحتاج إليه، وهي تشق طريقها للانبعاث والنهضة وسط زحام حضاري وثقافي لا سابقة له في التاريخ».

ولا أظن أن مراجعة النفس حول ايجابيات وسلبيات إثارة الغبار حول عمل فني أو فكري أو أدبي، ينطوي على إدانة أو يمثل إساءة من أي نوع، فالهجوم غير العقلاني يصنع أبطالا من فراغ ويمد أعمالا كان مقدرا أن تموت بشرايين حياة، ذلك في الأحوال العادية، فما بالك إذا كانت هناك قوى دولية عاتية تبحث عن ذرائع لإدانة الإسلام وأهله، وترفع قميص عثمان مدعية حماية حرية الفكر والإبداع في وجه الغيورين على الدين.

أظن أنه من الأفضل أن نركز على نهوض مجتمعاتنا وتقدمها علميا واقتصاديا واجتماعيا، وأن نحاول مداواة الأمراض الحقيقية للأمة التي تعوقنا عن اللحاق بركب الحضارة.. فذلك أجدى من تفرغنا لصناعة أبطال من «وهم»، فالإسلام لم تضره كثيرا طحالب نمت على شواطئه طوال التاريخ، عبر فرق ومذاهب وشطحات وصفناها طويلا بأنها «ضالة»®. بعضها أثرى ديننا الحنيف وحضارتنا التي نهل منها الغرب وصنع بها التقدم الذي وصل إليه، وبعضها الآخر عاش قليلا أو كثيرا ثم تلاشى مثل زبد البحر.

magdishendi@hotmail.com