خرج وزراء الإعلام العرب خلال اجتماعهم الأخير بوثيقة سياسية جديدة، تسعى في إطارها العام إلى «تنظيم البث الفضائي والإذاعي والتلفزيوني في الدول العربية»، وتبنت مصر هذه الوثيقة بمساع حثيثة من قبل وزير الإعلام أنس الفقي الذي أكد على أن مصر ستكون من باب أولى أول دولة عربية تطبق الوثيقة الجديدة.
وبمجرد الكشف عن بنود الوثيقة شعر أغلبية الإعلاميين العرب بالتخوف من أن المطبخ الإعلامي الرسمي قد أعد وليمة دسمة، يمكن أن تسمم مناخ الحرية والتعبير وتدفع باتجاه قانون طوارئ غير معلن. فرغم أن بندها الأول نص على احترام حرية التعبير، إلا انه ترك الباب مواربا للنيل من هذه الحرية بالحديث عن أهمية توافر «الوعي والمسؤولية» لتطبيق هذه الحرية، وهذا ما لا يمكن تحريه والتأكد منه، ما دام أن مشروع تأويل النوايا مسموح في حالة غياب سقف الوعي وانتفاء المسؤولية عن هذا الإعلامي أو ذاك.
وأظهر الإعلام العربي الرسمي حرصا شديدا على عدم ترك المجال أمام من تسوّل له نفسه الإساءة إلى الذات الإلهية والأديان السماوية والرسل والمذاهب والرموز الدينية والوطنية، ودعا إلى الامتناع عن بث وبرمجة المواد التي تحتوي على مشاهد أو حوارات إباحية صريحة، لكنه وجد نفسه محاطا بعقبات كثيرة تعترض تنظيم عمل القنوات الفضائية التي تتعامل بالشعوذة، لان غالبيتها تبث تلك البرامج من القطاع الخاص وبالتالي لا تخضع بشكل مباشر لوزراء الإعلام العرب.
والتساؤل الذي يطرق أذهان المتتبع لمثل هذه القرارات هو ما إذا كان الهدف الذي يسعى إليه وزراء الإعلام العرب، يبتعد بشكل كبير عن التمنيات التي طالما راودتهم بتنظيف الإعلام العربي من تلك القنوات التي تشن حروبها على عقليات الناس البسطاء، أو تلك التي تخدش حياءهم وتسقط الشباب في حبائل الإغراء والعبث بغرائزهم وتسفيههم؟
وكان الطموح أن يستطيع هذا الإعلام التوازي مع متطلبات التنمية التي يتشدق بها بعض الإعلام الرسمي ولا نلمسها من بعيد أو قريب، وربما تكمن العلة في العقليات التي تدير عملية التنمية والتي تسقط من حساباتها أهمية تحقيق ثورة في الوعي لسماع صوت الآخر، والتحري عن المصداقية في نقل صورة الواقع للمشاهد العربي، بعيدا عن عمليات التجميل التي صبغت الصورة بلون الزهور وزيفت الحقائق لدرجة التصديق.
الرفض الذي يشعر به الإعلامي العربي لهذه الوثيقة المستفزة في بعض بنودها، قد يعود إلى كثير من المعطيات التي تحيط بعمله والتي تضعه في تحدٍ مستمر لتحقيق معادلة الانفتاح، في الوقت الذي يبحث عن لغة تناسب الوضع الدقيق الذي يؤطر عمله، والذي يرفع مستوى أدائه إلى تشفير القضايا المؤرقة كي تناسب مستجدات العمل الإعلامي الرسمي، باحثا عن لغة جديدة وموضوعات أيضا جديدة قد لا تخرج عن موضوعات بعض القنوات العربية الرسمية التي لا تزال تبث برامجها من المتاحف، وكأنها في عزلة تامة عن محيطها العربي ويمكن وصفها بالقنوات الموجهة بامتياز.
ففي حوار لوزير الإعلام المصري قبل أيام اعتبر أن نسبة مشاهدة القنوات الفضائية المصرية هي الأعلى من قبل الجمهور المصري، ولا يعرف الرأي العام لماذا ترتفع هذه النسبة في مصر فقط، بينما نجد أن أنظار الجمهور العربي تتركز على برامج الحوار الدسمة التي تثير الأسئلة الكبيرة في مختلف القنوات الفضائية.
ومن هذا المنطلق فإن الإعلامي المثقف الذي يعي المسؤولية الاجتماعية والسياسية المنوطة به، يخشى من سطوة مثل هذه الوثائق لإجهاض مستقبل نوعي للبث الفضائي، يقوم على تنوير المجتمعات العربية بمشكلاتها وقضاياها المسكوت عنها، وكشف وقائع الفساد أو انتقاد ممارسات استبدادية أو انتهاكات لحقوق الإنسان، وكما يقول الباحث «الهادي المثلوثي» فإن الثقافة الأصيلة ذات الكفاءة الإبداعية مصدر قوة للفرد والمجتمع، ويعد الوعي الاجتماعي والسياسي أداة فعالة لحماية الحقوق والحريات الفردية والعامة وتفعيل الواجبات الوطنية، فلا معنى للمجتمع المدني دون توفر تلك الثقافة المبدعة وذلك الوعي الحيوي المسؤول.
وإذا كان وزراء الإعلام العرب يجتمعون لإقرار وثائق مرجعية أخلاقية تحكم وتنظم العمل الإعلامي الرسمي، فإن الاتجاه العالمي لإتاحة حرية الإعلام في الوقت الحالي يستلزم تبني سياسات أكثر انفتاحا تتناسب مع هجمة الإعلام الخاص، ومع خصخصة الإعلام الرسمي والتي من الممكن أن تطال كثيرا من المؤسسات الرسمية، فإن الإشراف الحكومي المطلق لم يعد يتلاءم مع هذا العصر والمناخ الذي يطمح إليه، كذلك فإن النظام الاحتكاري لهيئة أو جهة واحدة لا يتلاءم مع الدعوة لحرية الإعلام والإيمان بالتعددية السياسية والفكرية.
ومن المفارقة أن يتم استيراد البضائع الفاخرة من الغرب، وننسى أن نستفيد من تجاربهم المتقدمة بخاصة في مجال حرية التعبير المكفولة لكل إنسان ولاسيما للإعلام، ففي دراسة قام بها «المركز الدولي ضد الرقابة» شملت إحدى عشرة دولة في أوروبا وأميركا، وجدت سبع سمات مشتركة بينها.
أهمها عدم اشتراط أية دولة أي شكل من أشكال الموافقة الحكومية على إصدار صحيفة أو دورية، وعدم وجود أي قيود تفرض على خروج ودخول الصحف، ولم يحدث أن سجن أحد بتهمة التشهير بالحكومة أو الازدراء الموجه لها أو لمؤسساتها أو لرموزها.
حيث تعترف كل الدول (ما عدا بريطانيا) بحق الوصول للمعلومات التي بحوزة الحكومة، وجميع جلسات البرلمان علنية ويجوز أن تكون سرية في ظروف محددة ومحدودة النطاق، وكل البلدان (ما عدا فرنسا وبريطانيا) يمكن فيها الدفاع عن نشر المعلومات الحكومية السرية على أساس أن الكشف عنها من أجل الصالح العام، وكل البلدان (ما عدا بريطانيا والنرويج) تعترف بحق الصحافيين في حماية مصادر معلوماتهم السرية.
يتضح أن المسؤولية الملقاة على عاتق وزراء الإعلام لا تزال قاصرة وغير ملبية لطموح صناعة إعلام عربي حقيقي، بعكس ما يشاع عن أثر هذه الوثيقة في زيادة ودعم فرص زيادة القنوات الفضائية، التي ربما تزيد كما، بعيدا عن تحري الكيف.
فمع هذا التكييف الجديد للوثيقة المرجعية، سيترك المجال لأصحاب الاستثمارات الفضائية كي يسيطروا على البث الفضائي، طالما لا توجد حتى الآن وثيقة تهتم بتنظيم شؤونهم، من ناحية، وقد تؤدي إلى هروب وانكفاء الإعلاميين العرب كي لا تطبق عليهم بنود الوثيقة من ناحية أخرى.. فهل يعود الإعلام العربي ليدخل من جديد زنزانة الرقيب والحسيب؟
كاتبة إماراتية