زرت الكويت وقطر والبحرين وعمان والمملكة العربية السعودية ووجدت معظم الوافدين من غير الناطقين بالعربية يتمكنون من مخاطبة العربي بالعربية أو بالعامية الخليجية، فيما يختلف الأمر عندنا هنا كثيرا، بل العكس، فهنا يجبرنا الوافد غير الناطق بالعربية على التحدث معه بلغته وفي أفضل الحالات تكون الانجليزية هي الوسيط للتواصل.

نادرا ما تجد منهم من يحدثك بالعربية، أو بلهجة قريبة من لهجتك، ووصل الحال بنا إلى أننا وبدون أن نشعر، نحن وهذا الوافد، قد أنتجنا لغة مشتركة غريبة وهجينة، لا هي بالعربية الخالصة، ولا هي بالمحلية الخالصة ولا هي بالأجنبية الوافدة، وإنما لغة ولهجة تم تكسير حروفها وكلماتها وتم لوي معانيها ودلالاتها، فتاه في بحرها المبتدأ والخبر.

ولغة التخاطب والتواصل، الهجين هذه، والتي تم ابتكارها نتيجة معطيات في الواقع تشكلت وتركبت بصورة غير طبيعية، بدأت تنتشر وتعم وتنتقل من الكبار إلى الصغار وبالتالي صارت تتشكل في تفاصيل الحياة وترتبط أكثر بالمكان والحركة، نمت كما تنمو الأشجار.

وبدأت فيروساتها الخطرة تنخر عظم العربية الأصيلة وعظم لهجتنا المحلية. هذا التوسع وهذا الانتشار تعدانا نحن سكان المكان الأصليين ليطال الآخرين أيضا، فيأتينا العربي الأصيل من بعيد ليجد أن لهجته المحلية التي جاء بها صارت هي الأخرى مجيرة لصالح اللهجة الجديدة الهجين، فتراه يمزج بعضا من لهجته ببعض من لهجتنا ويذر عليها شيئا من خلاصات اللهجة الجديدة لتتكون له وسيلة اتصال وتواصل.

قبل أيام نهضت أصوات تدافع عن وجود اللغة العربية في حياتنا، بعدما تراءى لها في الأفق أنها تموت وتهمش مع سطوة اللغة الأجنبية، رسميا وشعبيا، واليوم نقول انه حتى المحلية التي لها ارتباط كبير بالهوية وبالتراث وبالثقافة الأصيلة للمكان، وحاملة ذاكرتنا وتاريخنا الشعبي تبخرت وانحسرت من الحياة وبدأت تداخلها الشوائب.

ندافع عن وجود العربية الأصيلة في الحياة، وندافع عن وجود لهجتنا المحلية كذلك باعتبارها منجزنا وحاملة مشاعرنا، لكننا نستهجن بشدة تلك اللهجة الهجين التي ينتجها الشارع، لهجة ثالثة نبتت كما ينمو النبت الشيطاني، لا تنتمي لتاريخ ولا لمكان ولا تمثلنا.

من علمنا هذه اللهجة الهجين؟ من ساهم في انتشارها؟ لماذا نقبلها بكل هذه الأريحية ونتعامل معها بسعة صدر؟ والى أين سيمضي بها المستقبل؟ ألا نخشى أن تتأصل وتثبت وتدق بعروقها في الأرض؟ وإذا استفحلت أشجارها وصارت بساتين، أين نمضي بما كان يوما بين أيدينا؟.

mhalyan@albayan.ae