يكثف المسؤولون الإسرائيليون في الأيام الأخيرة من إطلاق التصريحات النارية التي تطالب الجيش بالخروج إلى عملية واسعة ضد قطاع غزة، بذريعة وقف إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود مع القطاع.

وزير الداخلية شتريت طالب الحكومة بتدمير حي فلسطيني سكني بالكامل، كشكل من أشكال العقاب للسكان الذين يتواطأون مع مطلقي الصواريخ، أو يسكتون عنهم، وكرسالة حادة وشديدة الوضوح لمن يصدرون الأوامر بإطلاق الصواريخ، فيما يطالب مسؤولون آخرون بخروج الجيش إلى عملية واسعة تؤدي إلى اجتياح قطاع غزة بالكامل.

أما المجلس الأمني المصغر فقد اتخذ على ما يبدو قراراً بتوسيع وتكثيف العمليات ضد قطاع غزة بما يشمل توغلات جزئية على الأطراف قد تصل إلى أعماق أبعد من المعتاد، وتدمير مقار ومؤسسات، وورش عمل، بالإضافة إلى استهداف قيادات ميدانية وعسكرية وسياسية بما في ذلك رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية الذي ورد اسمه مراراً كهدف محتمل على ألسنة العديد من المسؤولين الذين أعلنوا أن لا حصانة لأي مسؤول فلسطيني.

رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت استبعد بوضوح إمكانية شن عملية برية واسعة تؤدي إلى اجتياح قطاع غزة، مما يعني أن إسرائيل بصدد تصعيد الضغط على سكان قطاع غزة، عبر الحصار الخانق، والعمليات الواسعة، لدفعهم نحو خيارات صعبة، فإما أن يؤدي ذلك إلى تفجير الوضع الداخلي وإما أن يجري تنفيس الضغط باتجاه مصر، كما حصل حينما اجتاح آلاف الفلسطينيين الحدود قبل بضعة أسابيع.

في الواقع فإن ثمة جملة من العوامل التي تمنع إسرائيل من اتخاذ قرار باجتياح كامل قطاع غزة، بالرغم من أن حكومة أولمرت اتخذت قبل بضعة أشهر قراراً باعتباره كياناً معادياً، وبالرغم من أنها أيضاً لا تتوقف عن التهديد باجتثاث ما يسمى ب«الإرهاب» الفلسطيني.

العامل الأول يكمن في أن إسرائيل التي قامت بتفكيك مستوطناتها وإخراج مستوطنيها وجنودها من داخل قطاع غزة في سبتمبر 2005، قد بادرت إلى ذلك في إطار خطة استراتيجية، تحت مسمى خطة الفصل أحادي الجانب التي لم تتخل عنها إسرائيل حتى اللحظة.

خطة الفصل التي تنفذها إسرائيل عبر مراكمة المزيد من الوقائع تستهدف بالتدريج فصل قطاع غزة تماماً عن الضفة الغربية، ودفعه نحو خيارات إقليميه تحدث عنها البعض صراحةً في مؤتمر هرتسيليا الذي انعقد بداية هذا العام عبر اقتراح يقضي بإجراء تبادلية في الأراضي مع مصر.

الاقتراح المذكور يتحدث عن توسيع المجال الحيوي لقطاع غزة، ليشمل منطقة العريش المصرية، مقابل منح مصر ممرا بريا جنوب صحراء النقب إلى الأردن والسعودية، على أن يتم ترحيل نحو سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني يقيمون ضمن حدود إسرائيل في منطقة المثلث والجليل شمال فلسطين التاريخية.

وقد اتضح مؤخراً أن إسرائيل كانت راضيةً عملياً عن تحول سكان قطاع غزة اقتصادياً إلى مصر، وهو ما رفضته الأخيرة، وإدراكاً لخطورته قامت بإغلاق حدودها بالكامل مع قطاع غزة، فيما اتخذت الخارجية المصرية قراراً صارماً بمنع خرق الحدود مرةً أخرى، حيث صرح وزير الخارجية أحمد أبوالغيط أن مصر ستتخذ قرارات حاسمة ضد كل من يخترق الحاجز الحدودي.

إسرائيل لا تريد إفساد هذا المخطط بالعودة للسيطرة على القطاع وهي ستنتظر فرصاً أخرى لدفع الأمور باتجاه تحقيق أهدافها. العامل الثاني: إسرائيل الآن تعيش أفضل ظروفها مع الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم حتى العظم، ويتعمق انقسامهم يوماً بعد آخر، ولذلك فإنها ستقف كما صرح العديد من المسؤولين ضد أي حوار فلسطيني فلسطيني يستهدف إعادة اللحمة.

كما أنها ستحدد سقف أفعالها وتحركاتها، دون المساس بالوضع القائم. إن اجتياحاً كاملاً لقطاع غزة سيعني القضاء على حركة حماس أو على الأقل إضعافها إلى الحد الذي يطيح بسيطرتها على القطاع، مما يعني أن على إسرائيل في هذه الحالة أن تعيد قطاع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وهو أمر لا يتفق أبداً مع المصالح الإسرائيلية.

العامل الثالث: اجتياح كامل قطاع غزة يعني السيطرة عليه ولو لبعض الوقت من قبل الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي سيؤكد من جديد المسؤولية القانونية والأمنية والأخلاقية لدولة الاحتلال وهو ما تحاول إسرائيل أن تتهرب منه، بل والتخلص منه بأي ثمن وفي أقرب فرصة ممكنة، بالإضافة إلى ذك فإن إعادة احتلال القطاع سيطرح العديد من الأسئلة الصعبة خصوصاً من قبل المعارضة اليمينية التي تتربص بالحكومة، إذ يقال حينها، لماذا خرجتم من غزة، ودمرتم المستوطنات فيها طالما أنكم ستعودون لاحتلالها؟

العامل الرابع: يتحسب المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون من وقوع خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي في حال خرج إلى حملة برية واسعة ضد قطاع غزة، وبعض الأوساط الأمنية قدرت بأن الجيش قد يفقد نحو مئتي جندي وهو عدد أكبر من عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان في يوليو العام قبل الماضي، حيث بلغ عدد القتلى نحو مئة وخمسة وثلاثين عسكرياً.

الحكومة الإسرائيلية التي نجت من نتائج تقرير فينوغراد لا تستطيع تحمل فشل آخر في قطاع غزة وسقوط مئات القتلى والجرحى، فضلاً عن أن معايير الانتصار والفشل في مثل هذه الحالة ستكون ملتبسة ارتباطاً بطبيعة المعركة وطبيعة الأهداف.

ومع أن المسؤولين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين يتنافخون بحثاً عن محاولة لاستعادة بعض الهيبة للجيش، إلا أنهم لا يجدون ضالتهم في قطاع غزة، بل إنهم يخشون من أن يتعرض هذا الجيش لعملية إنهاك صعبة.

العامل الخامس: عملية عسكرية برية واسعة في قطاع غزة ستضع حداً لكل التكتيك الإسرائيلي الذي يعتمد على فرض الحصار، وإضعاف الطرفين الفلسطينيين المتخاصمين، ويضعف العملية التفاوضية المنطلقة الآن، والعملية السياسية التي يقف وراءها المجتمع الدولي، فضلاً عن أن ذلك قد يؤدي إلى تصاعد التطرف في المنطقة بأكملها.

وفي المقابل تدرك حركة حماس كما تدرك كل الأطراف الفلسطينية، طبيعة الأهداف والمعادلات الإسرائيلية، وحدود التصرف، ولذلك فإنها تتبع بدورها تكتيكاً يقوم على الرد الكثيف بالصواريخ بعد كل عملية إسرائيلية صعبة، ثم يتراجع معدل إطلاق الصواريخ بصورة ملحوظة.

يوم الثلاثاء قبل الماضي أواخر الشهر الماضي، قام الجيش الإسرائيلي بقتل تسعة مقاومين من كتائب القسام، وبعد يومين قتل سبعة آخرين، فكان الرد حسب بيان صادر عن حركة حماس، بأنه تم إطلاق مئة وخمسة وثلاثين صاروخاً وقذيفة هاون خلال أربعة أيام وبعد ذلك تراجعت وتيرة إطلاق الصواريخ.

حماس التي رفضت مبادرةً من الرئيس محمود عباس بالسعي لتحقيق تهدئه متبادلة، بدعوى أنه يساوي بين المقاومة والمحتل الإسرائيلي، تريد أن توصل رسالةً واضحةً إلى إسرائيل مفادها أنها سترد على الاغتيالات والقصف، ولكنها أيضاً مستعدة للتهدئة ولكن ليس عن طريق الرئيس عباس.

وبالإضافة إلى جملة الإجراءات التي تتخذها الحركة لحماية قياداتها وكوادرها وعناصرها، فإنها تهدد بالقيام بعمليات قوية ضد إسرائيل في حال المساس بقياداتها. وفي الواقع أيضاً فإن حركة حماس لاتزال تفكر بتكرار ما جرى على الحدود مع مصر.

ذلك أنها لن تسمح بانفجار أزمة داخلية أو تجويع الشعب، وهو خيار وإن كان يعمق الأزمة بيد الحركة ومصر، إلا أنه قد يغري الإسرائيليين بمواصلة تشديد الضغط على قطاع غزة، ولكن بدون أن يضطروا للقيام بعملية برية واسعة تصل حد اجتياح القطاع بكامله.

في هذا الاطار نستطيع تقدير مدى خطورة استمرار واقع الانقسام الفلسطيني من ناحية ومدى قدرة إسرائيل على التأثير في واقع ومستقبل حياة وخيارات الفلسطينيين وأيضاً في مستقبل ما يسمى بالفرصة المتاحة لتحقيق السلام الذي بدأ من آنابوليس.

كاتب فلسطيني