في عام 1975 وقف اللورد «باودن» في مجلس اللوردات البريطاني وقال: «إذا أردنا أن نسيطر على التضخم فإن علينا أن نتعلم من تجربة المسلمين في استحداث مؤشر للأسعار، وعلينا أن نستخدم مبادئ الاقتصاد الإسلامي الذي ذكر في القرآن قبل ألف وأربعمائة عام».
وخرج من تلك الجلسة وهو عازم على تأسيس معهد لتاريخ العلوم الإسلامية في جامعة مانشستر للعلوم والتكنولوجيا التي كان يرأسها، فجمع حوله مجموعة من العلماء والمؤرخين ليبحثوا معه عن ألف عام خلت من الحضارة كما تقول كتب التاريخ.
وبعد أن توفي عام 1989 أقفل المعهد، إلا أن أحد تلامذته استمر في بحثه عن الحقيقة، حيث أنه لم يقتنع بأن البشرية منذ عام 600م وحتى عام 1600م لم تنتج شيئاً، وحتى إن كان ذلك صحيحاً فكيف للنهضة الأوروبية التي بدأت شراراتها في القرن السادس عشر بالظهور أن تخرج إلى العيان فجأة ومن دون مقدمات!
وفي محاضرة حضرها للأمير تشارلز سمعه يقول: «هناك سوء فهم من الغرب للإسلام، كما أن هناك جهلا منا بفضل العالم الإسلامي علينا. جهلنا يكمن في أننا لا نعرف ما قدّمه الإسلام إلى البشرية في فترة ما نسميه في الغرب بعصور الظلام، ولأننا نظن بأن الإسلام هو عدو الغرب فإننا قد محونا مساهمات علمائه في الحضارة الإنسانية».
وعلى غرار هذه المحاضرة أسس سليم الحساني مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة، التي أطلقت مبادرة أسمتها «1001 اختراع» وهي عبارة عن متحف متنقل عمل على تصميمه نخبة من علماء التاريخ والآثار ومتخصصون في مختلف أفرع العلم، لتوثيق اختراعات المسلمين ومساهماتهم في الحضارة الإنسانية.
بدأ العمل بالبحث في المخطوطات الأصلية في شتى مكتبات العالم، حيث مولت الحكومة البريطانية نصف قيمة المشروع، وساهم القطاع الخاص في تمويل النصف الثاني، وكان الناتج متحفاً به بعض القطع الأصلية،
وكثير من اختراعات المسلمين التي أعيد تصميمها وتركيبها باستخدام التكنولوجيا حتى يستطيع زوار المتحف أن يجربوا الاختراعات بشكل عملي، لتقترب منهم الصورة وخصوصاً أن المتحف موجه للشباب، فالشباب هم الفئة المستهدفة كما يقول منظمو المتحف.
وإلى جانب المتحف، تم نشر كتاب يحمل صوراً ورسومات للاختراعات الإسلامية ومخترعيها مع شرح مبسط عن كل اختراع، وتم تقسيم الكتاب بحيث يغطي مختلف جوانب الحياة التي ساهمت اختراعات المسلمين في تحسينها وتطويرها، فعلى سبيل المثال يتحدث الكتاب في الجزئية المتعلقة بالبيت عن اكتشاف القهوة.
حيث تقول الدراسات أن راعي أغنام أثيوبيا مسلما واسمه خالد لاحظ أن حركة أغنامه تنشط عندما يتناولون حبوباً سوداء من نبات معين، فأخذ الحبوب ووضعها في ماء مغلي ثم شرب ماءها فشعر بنشاط وحيوية، ومن هناك بدأت قصة القهوة قبل 1200 سنة.
ثم انتقلت القهوة إلى اليمن حيث كان الصوفية يستخدمونها لكي تساعدهم على ذكر الله طوال الليل، مما جعلها تنتشر في الأسواق. ثم يحكي الكتاب بأسلوب مبسط وعلى مدى صفحتين كيف انتقلت القهوة في القرن الخامس عشر إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا في القرن السادس عشر عن طريق تاجر تركي وصل إلى لندن بالتحديد حيث تم تأسيس أول مقهى لبيع القهوة عام 1650.
ومن ضمن المعلومات التي كانت تذهل الزوار عند معرفتها هي اختراع الحسن بن الهيثم للكاميرا، حيث استطاع ابن الهيثم أن يعكس صورة مجسم ما عبر تمرير شعاع في ثقب ضيق في غرفة مظلمة، ليعكس صورة ذلك المجسم على قطعة قماش بيضاء.
إلا أن الصورة كانت تعكس مقلوبة رأساً على عقب، فقام ابن الهيثم بوضع عدسة من اختراعه لتعكس الصورة بالشكل الصحيح. وكان الجمهور يستغرب عندما يعرف بأن ابن الهيثم هو من قال بأن العين لا ترسل الضوء ولكنها تعكسه، وذلك عكس ما قاله علماء البصريات من قبله، وكان دليله بسيطاً، عندما قال إن العين لا ترى في الظلام.
الغريب في المشروع أن جميع العلماء فيه هم غير مسلمين، فهم يعتبرونه مشروعاً علمياً لا دخل له بالأديان، مما أعطى المشروع مصداقية عالمية، وعلى الرغم من أنهم تلقوا عروضاً كثيرة من جماعات إسلامية بالمشاركة فيه ودعمه.
إلا أنهم رفضوا ذلك حتى لا تتم أدلجة المشروع واستخدامه لأغراض أخرى. ونتيجة لهذه الحيادية استطاع هؤلاء العلماء أن يثبتوا بالعلم والتأريخ فقط أن المسلمين لهم قدم السبق في معظم الاختراعات التي بين أيدينا اليوم.
استوقفني في الكتاب ثناء مؤلفيه على الرسول - صلى الله عليه وسلم - واحترامهم له بطريقة كبيرة، حيث يضعون كلمة (pbuh) وهو اختصار للصلاة عليه بعد ذكر اسمه في أي موقع من مواقع الكتاب، بل إنهم ذهبوا إلى الاستشهاد بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة عن الحث على طلب العلم وتقدير العلم والعلماء.
وحتى يصل هذا المشروع الحضاري إلى جميع الناس والأجيال الناشئة بشكل خاص، قام القائمون عليه بتصميم منهاج تعليمي لإدخاله في المنهاج الوطني البريطاني National Curriculum الذي يعد دخوله شرطاً أساسياً لتدريس أي مادة في أي مرحلة تعليمية في بريطانيا.
وجعلوه منهجاً تجريبياً قائماً على التجربة والخطأ، وهو منهج ابن الهيثم الذي يعد اليوم أحد المناهج الرئيسية في البحث العلمي، حيث يتم تدريب المعلم على كل تجربة، ثم يعطى المعلم دليلاً سهلاً وواضح الخطوات لتطبيق كل تجربة وصولاً إلى النتائج المرجوة.
والجميل في المنهج أنه يتيح للمدرس أن يخترع الطريقة التي يراها مناسبة لتوصيل المعلومة سواء عن طريق المادة العلمية «الخفيفة» المتاحة له في الكتاب، أو عن طريق الموقع الإلكتروني الذي خصص لمساعدته في تصميم أشكال ورسومات بسيطة.
وأجمل ما في هذا المنهج أنه ليس كتاباً واحداً، بل هو دروس متعددة مدرجة في مختلف المواد العلمية والأدبية في المراحل التعليمية المختلفة، فابن حيان على سبيل المثال موجود في كتاب الكيمياء، وابن خلدون في كتاب الاجتماع أو الفلسفة، وابن الطفيل صاحب رواية «حي بن يقظان» في كتاب الأدب، وقس على ذلك.
في مقابلة تلفزيونية لإحدى المساهمات في المشروع قالت: «لم أقتنع أبداً بأن البشرية قد توقفت عن التفكير فجأة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وحتى عصر النهضة، وبعد هذا المشروع علمت بأنه لا يوجد شيء اسمه عصور الظلام، فالمسلمون أضاؤوا تلك العصور بمخترعاتهم وإسهاماتهم الجليلة في مسيرة البشرية، وإن عصور الظلام هي خدعة لقّنونا إياها في المدارس وفي كتب التاريخ».
قد يكون أكثرنا يعرف ويعتقد بأن المسلمين كانت لهم إسهامات جليلة في التاريخ الإنساني، فحضارتهم لم تكن أخلاقية فقط ولكنها كانت مادية أيضاً ولكن بصورة مشرقة، إلا أن التنطع بهذا الكلام فقط لا يكفي، فأولئك قوم كتبوا أمجادهم بأيديهم وذهبوا بها.
فكانوا ومازالوا رموزاً وأبطالاً خط التاريخ أسماءهم بماء الذهب، فهل سيكتب عنا التاريخ مثلما كتب عنهم، أم أننا سنكون مثل جاليليو الذي تراجع عن نظريته القائلة بأن الشمس هي مركز الكون لكي لا تحرقه الكنيسة فقال له أحد تلامذته:«تعيسة هي الأمة التي ليس بها أبطال»
باحث إماراتي