شهد الوضع الأمني في العراق تحسناً ملحوظاً منذ سبتمبر المنصرم، وباستثناء حوادث عنف وقعت في الأيام العشرة الأولى من محرم في مدينتي البصرة والناصرية وبعض التفجيرات الانتحارية التي سلبت عدداً من الأبرياء الآمنين حياتهم في بغداد، يعتبر الأمن في وضع أفضل كثيراً مما كان قبل ستة شهور.
وقد شغل هذا الموضوع بال الكثيرين من المتابعين لأوضاع العراق لأهميته على المستوى العالمي، خاصة وأن الولايات المتحدة تختبر أجندتها في هذا البلد كمقدمة لتمريرها إلى دول شرق أوسطية أخرى، مع كل ما يفرضه ذلك من حسابات سياسية في مواقف الدول التي لها مصالح في هذه المنطقة، وهي من غير شك دول كثيرة وكبيرة في الوقت نفسه.
هنالك جملة من العناصر ذات الصلة بالتحسن الأمني، إلا أن من المناسب أن نشير هنا إلى أن المعركة لتحسين الوضع الأمني في العراق تخوضها القوات الأميركية والعراقية على ثلاث جبهات لمواجهة:
1. تنظيم القاعدة.
2. فصائل مسلحة آثرت رفع السلاح في وجه الاحتلال.
3. ميليشيا جيش المهدي.
فبالنسبة للجبهة الأولى، لا مجال فيها سوى للحسم العسكري وتصفية هذا التنظيم الذي لا يختلف أحد في إدانة أعماله التي ألحقت وتلحق أبلغ الأضرار بالعراق، أما بالنسبة للجبهتين الأخريين فهما قابلتان للحسم بطرائق أخرى. ورغم أن هذه الجبهات الثلاث تبدو منفصلة عن بعضها،
إلا أن بينها ما هو مشترك وهو إسهامها في زعزعة الوضع الأمني ووضع العقبات أمام العملية السياسية الجارية وإفشال المشروع الأميركي في الشرق الأوسط. ويعزو معظم من كتب عن التحسن الأمني أسبابه إلى العوامل التالية:
1. زيادة عدد القوات الأميركية إثر انتهاج إدارة الرئيس بوش استراتيجية جديدة في العراق منذ فبراير من العام المنصرم.
2. قناعة بعض النخب السياسية العراقية بالانضمام إلى العملية السياسية بشكل إيجابي انبثقت على إثرها مجالس الصحوات في عدد من محافظات العراق وتمكنت من هزيمة مقاتلي القاعدة.
3. الهجرة في الداخل وإلى الخارج التي جعلت معظم مناطق العراق أكثر تجانساً عرقياً ومذهبياً.
4. تقطيع أوصال العاصمة بالحواجز الكونكريتية.
5. الاستخدام المفرط للقوة في التعامل مع المناطق التي تشكو من الفلتان الأمني.
6. تحسن وضع قوى الأمن العراقية عدداً وعدة.
لن نتوقف أمام الأسباب الخمسة الأولى، فقد حظيت بالكثير من اهتمام المحللين السياسيين، ولكننا سنتوقف أمام السبب السادس وذلك لأهميته الاستثنائية. يتزايد عدد قوى الأمن العراقية بشكل مثير للتساؤل والقلق، ففي الكلمة التي ألقاها وزير الداخلية العراقي في الحادي والثلاثين من يناير المنصرم أمام مجلس وزراء الداخلية العرب الذي عقد في تونس، ذكر أن عدد أفراد الشرطة في العراق سيبلغ أربعمئة وعشرين ألفاً مع نهاية العام الجاري، وهو رقم يستوجب التوقف عنده.
هنالك معايير دولية تحدد نسبة عدد رجال الشرطة إلى عدد السكان، وضعت في ضوء تجارب اكتسبتها العديد من دول العالم على مر السنين في محاربة الجريمة والحفاظ على الأمن والاستقرار. وتشير الدراسات إلى أن عدد أفراد الشرطة لكل مئة ألف من السكان،
يبلغ في الولايات المتحدة 250 شرطياً وفي بريطانيا 241 شرطياً وفي ألمانيا 289 شرطياً، ويعتبر الرقم 250 شرطياً لكل مئة ألف مواطن أقرب ما يكون إلى المعدل العالمي في معظم الدول الديمقراطية. ولكن هنالك دولاً تشذ عن هذه القاعدة بشكل مثير، فالصين مثلاً يوجد فيها ستون شرطياً فقط لكل مئة ألف من السكان.
نعود إلى الرقم الذي ذكره الوزير لنحسب في ضوئه نسبة عدد الشرطة إلى عدد السكان في العراق لمقارنتها بالمعدل العالمي. يبلغ عدد سكان العراق، حسب ما تم تقديره ووضعت لوائح الانتخابات النيابية على أسسه، سبعة وعشرين مليوناً ونصف المليون نسمة، وفي هذه الحالة وباعتماد الرقمين،
عدد سكان العراق وعدد أفراد الشرطة، وهما رقمان رسميان تعتمدهما الحكومة العراقية، فإن عدد أفراد الشرطة في العراق لكل مئة ألف من السكان يبلغ ألفاً وخمسمئة وسبعة وعشرين شرطياً، وهو رقم مخيف حقاً إذ يبلغ ستة أضعاف المعدل العالمي.
وإذا كان الراتب الشهري الذي يتقاضاه الشرطي الواحد يبلغ ثلاثمئة دولار، فإن المبالغ التي ستصرفها الدولة كرواتب فقط للشرطة تتجاوز المليار ونصف المليار دولار سنوياً، ناهيك عن كلفة العدة المخصصة لكل شرطي (سلاح وبدلة وجهاز اتصال وغير ذلك)،
وكلفة المباني والأثاث ووسائط النقل وأعباء الخدمات الصحية، مما يرفع المبالغ اللازمة لتغطية حاجات الشرطة إلى ما يتجاوز المليارين من الدولارات سنوياً. هذا إذا تجاهلنا حقيقة أن بين هذا العدد الكبير من المنتسبين للشرطة، هنالك آلاف من الضباط من ذوي الرتب المختلفة يتقاضون رواتب عالية ويتمتعون بامتيازات كثيرة.
تبلغ ميزانية العراق المطروحة أمام مجلس النواب لعام 2008 سبعة وأربعين مليار دولار، ووفق الأرقام التي توصلنا إليها تزيد حصة الشرطة من هذه الميزانية على 4%. وإذا أضفنا إلى ذلك ميزانية القوات المسلحة وميزانيات أجهزة الدولة الأخرى، وهي فضفاضة تماماً، فما الذي يتبقى للتعليم وللخدمات الصحية التي هي في أدنى المستويات؟ وما الذي يتبقى من الميزانية لإعادة إعمار البلد الذي لم يعد فيه شي لا يستحق إعادة بنائه؟
إن الغالبية العظمى من المنتسبين إلى أجهزة الشرطة هم في سن الشباب القادر على القيام بأعمال منتجة في المصانع والمزارع، وإن الزج بهذه الأعداد الغفيرة من الشباب في هذه المؤسسة غير المنتجة إهدار ما بعده إهدار في استخدام الموارد البشرية. أمام هذه الحقائق هل يعتبر تحسن الوضع الأمني في العراق نجاحاً؟ وإن كان ذلك كذلك فبأي ثمن تحقق هذا النجاح؟ وما هو مستقبل الديمقراطية في بلد جهاز الشرطة فيه بهذا الحجم الهائل؟
لقد كانت ضخامة عدد المنتسبين للقوات المسلحة في عهد النظام السابق أحد الأسباب التي أرهقت ميزانية البلد ودمرت اقتصاده وأسهمت في تدهور مستوى حياة الفرد فيه، ويبدو أننا في الطريق إلى حالة قريبة الشبه من ذلك، ما لم يصر إلى التوصل إلى صيغة بديلة لحل المشكلة الأمنية. فالأمن لا يتحقق ما لم تتم إزالة العقبات أمام الحلول السياسية التي ترضي جميع الأطراف، بعيداً عن أجواء المحاصصة التي أصابت العملية السياسية بشلل شبه تام
كاتب عراقي