تراجع الإدارة الأميركية عن توجيه ضربة عسكرية لإيران تم تفسيره بأسباب عدة، ومازالت التفسيرات تتوالى، وآخرها ما طرحه بعض الخبراء حول مستوى القوة العسكرية الأميركية المتراجع بشكل واضح بعد أربع سنوات من الإرهاق الشديد في العراق وأفغانستان.

حيث يرى الخبراء الاستراتيجيون أن القيادة العسكرية الأميركية ترددت في توجيه قصفة جوية لإيران خشية أن تخترق القوات الإيرانية الحدود وتجبر القوات البرية الأميركية في العراق على الدخول معها في حرب لا طاقة للجنود الأميركيين بها في حالتهم هذه التي أصبحت حديث الساعة في واشنطن.

التقارير ترد بشكل مكثف عن حالة الجنود الأميركيين في العراق، وكلها تشير إلى حالة من الإعياء والإرهاق العصبي والنفسي الذي يصل مع حالات كثيرة إلى حد الهروب من الميدان، وآخر التقارير في الأسبوع الماضي أعدته لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي من أربعمئة صفحة يقول ان القوات المسلحة الأميركية غير مؤهلة لخوض حرب واسعة النطاق.

ويقول أرنولد بونارو رئيس اللجنة لوكالة أسوشيتد برس «ليس لدينا القوات المسلحة التي نحتاجها اليوم والقوات المتوافرة لدينا ليست مؤهلة ولا مدربة بما فيه الكفاية»، ويقول التقرير «إن اهتمام البنتاجون بالقوات العسكرية تراجع بشكل ملحوظ بعد أحداث 11 سبتمبر وأصبحوا يرسلون الجنود لمناطق بعيدة بدون استعداد أو تدريب، مما آثر على نفسية الجنود وأدى لانتشار ظواهر سلبية كثيرة مثل الهروب».

قائد إدارة الموارد البشرية في الجيش الأميركي الجنرال ويلسي يقول ان هروب الجنود الأميركيين من الحرب في العراق أصبح يشكل ظاهرة خطيرة ووصل في عام 2007 أعلى مستوى منذ عام 1980، وفي الفترة من أكتوبر 2006 وحتى سبتمبر 2007 هرب 4698 جندياً أميركياً من العراق، ونحو 75% من الهاربين من جنود الصف العاديين الذين يخدمون في جبهات القتال لأول مرة بدون أية إعدادات أو تدريب على القتال ويعاملون معاملة سيئة من الضباط، وفي تصريحاته لمجلة «ستارز أند ستريبس» المهتمة بالشؤون العسكرية يقول ويلسي ان الجنود الأميركيين يتعاقدون مع الجيش لعقود تتراوح من عامين إلى ستة أعوام، لكنهم عند التعاقد لا يعرفون أين سيخدمون.

وعندما يفاجأون بأنهم سيخدمون على جبهة القتال في العراق أو أفغانستان أو غيرهما يتحججون بحجج ليبقوا في الولايات المتحدة، ومن هذه الحجج إثبات عدم القدرة الجسدية أو الصحية على تحمل القتال، وبعضهم يقدم إقراراً بأنه شاذ جنسياً وينتمي لمنظمة للشواذ جنسياً ولا يستطيع الالتزام بقواعد الرجولة والضبط والربط اللازمة على جبهة القتال.

ويضيف ويلسي قائلاً ان نسبة الهروب أقل في القوات البحرية حيث هرب عام 2007 نحو 1129 جندياً، وفي القوات الجوية بلغ عدد الهاربين خلال الأعوام الماضية من العراق 56 جندياً، مما يعني أن المعاناة الكبرى تقع على جنود القوات البرية، وأضاف ويلسي ان مشكلة الهروب لا تلقى اهتماماً يذكر من قادة البنتاجون.

برنامج «ستون دقيقة» على شبكة سي بي إس الأميركية كشف في إحدى حلقاته عن هروب نحو 5500 جندي أميركي من الحرب في العراق، وأكد البرنامج الذائع الصيت أن العقيدة القتالية انهارت لدى الجنود الأميركيين بسبب عدم ثقتهم في قادتهم وفي سياسة بلادهم التي ترسلهم للحرب في بلاد بعيدة لأسباب غير مفهومة ولا مقنعة، واستضاف البرنامج عدداً من الجنود الهاربين الذين قال أحدهم «لقد هربت حتى لا يكتب على قبري مات مخدوعاً في العراق».

هذه الحالة من الانهيار والضعف في صفوف الجيش الأميركي أصبحت تهدد هيبة وسمعة القوة العظمى العالمية التي لم يعد أحد يأبه بتهديداتها واستعراضاتها لقوتها، وما الردود القوية والتصريحات الحادة التي تصدر من دول مثل إيران و كوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها سوى فهم واستيعاب من هذه الدول للقدرات العسكرية للبنتاجون الذي ينفق عشرات المليارات على العتاد والسلاح لصالح المجمع الصناعي الحربي الذي يملكه عمالقة المال والنفط بينما يبخل بالقليل على إعداد وتدريب الجنود وإعدادهم لاستخدام هذا السلاح.

وربما هذا الذي حدا بالبعض من المحللين الاستراتيجيين للقول ان دولاً كبيرة مثل روسيا والصين وأيضاً فرنسا في عهد شيراك كانت تدفع إيران لاستفزاز واشنطن لجرها لحرب برية واسعة النطاق على الشاطئ الجنوبي من الخليج العربي، وخاصة في العراق تكون فيها الهزيمة والفضيحة الكبرى للقوة العظمى، ويكون بعدها الانسحاب ونهاية التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، ولكن على ما يبدو أن واشنطن تنبهت لخطورة الموقف وتراجعت في التوقيت المناسب طارحة تقرير الاستخبارات الذي برأ إيران من نية امتلاك السلاح النووي.

elmoghazy@hotmail.com