في خطابه الأخير الذي ألقاه في الاجتماع الموسع لمجلس الدولة الروسي أكد الرئيس فلاديمير بوتين على أن «الاقتصاد الروسي لم يتخلص بعد من سيناريو التنمية الذي يعتمد على تصدير المواد الخام»، والحقيقة أن هذه القضية تشكل نقطة ضعف تاريخية يمكن وصفها بالعقدة النفسية لدى روسيا، هذه العقدة التي تمتد لتتجاوز الاقتصاد والمواد الخام الطبيعية من نفط وغاز ومعادن وغيرها لتشمل حتى الإنتاج البشري من فكر وأدب وفنون وإبداعات.

لقد حبا الله روسيا بثروات طبيعية كثيرة ووفيرة جعلتها من أغنى دول العالم، فلديها ثاني أكبر إنتاج واحتياطي عالمي في النفط، وتملك وحدها نحو ثلث الإنتاج العالمي من الغاز واحتياطيه، وهي من أغنى خمس دول في العالم في المعادن الثمينة كالذهب والماس والفضة والبلاتين، والأولى في إنتاج الألمونيوم، والأولى في الثروات الخشبية والبحرية وفي الفحم، ومن الأوائل في الحبوب والمحاصيل الزراعية، وغير ذلك من الثروات التي في حالة حسن استغلالها تصنع دولة غير قابلة للمنافسة في العالم، ومع هذا فإن روسيا تعاني منذ سنوات طويلة.

وحتى في زمن الاتحاد السوفييتي من عقدة تصدير ثرواتها في شكل خامات أولية، في حين أنها لو قامت على تصنيع هذه الخامات الأولية وتصدير إنتاجها فسوف تحقق أرباحا مضاعفة، وما أكثر ما تفعله روسيا منذ سنوات من أجل أن يشتروا منها شيئا ما عدا الخامات كالنفط والغاز وعلى سبيل المثال خام الماس غير المصقول الذي تحصل عليه الشركات الأجنبية وتقوم بتصنيعه في شكل حلي يدر أرباحا وعائدات خيالية، وتبلغ الخسائر الناجمة عن الاستخدام غير الفعال للملكية الصناعية الذهنية حسب تقديرات خبرائنا رقما خياليا يتراوح ما بين 5. 1 و2 مليار دولار في السنة. والمقصود فقط المبتكرات الهندسية وغيرها من المبتكرات التي لا صلة لها بالعلوم الإنسانية.

ويعتبر توجيه التكنولوجيا العالية نحو التصدير المهمة الأولى التي تؤرق الحكومة الروسية الآن وخاصة بعد خطاب الرئيس بوتين الذي وضعها ضمن أولويات خطة التنمية حتى عام 2020 تصدير الخامات في روسيا اتسع خلال عقود طويلة مضت حتى شمل العقل والإبداع البشري.

فقد حبا الله روسيا طاقات بشرية هائلة وعقول نابغة في كافة المجالات، وقد تنبه الغرب والدول الأجنبية لهذه الطاقة البشرية الروسية منذ سنوات طويلة مضت وسعوا للحصول عليها بكافة الطرق والأساليب الشرعية منها وغير الشرعية، ووصل الأمر إلى حد سرقة العلماء والخبراء الروس أنفسهم وليس فقط سرقة إنتاجهم وإبداعاتهم، ولكن ألا يعتبر تسرب العقول المستمر خامة لا تحصل مقابلها روسيا على شيء، ربما لأنها لا تعرف كيف تستفيد من الهروب المزمن لنخبتها العلمية والثقافية في بعض الأحيان؟.

ونتذكر هنا أن لجنة الاتحاد السوفييتي للاختراعات كانت تتلقى في أعوام الثمانينات ما يصل إلى 200 ألف اختراع إبداعي خلاق. أما الآن فقد انخفض هذا العدد إلى 20 ألفا. ولكن من الواضح أن الطاقة لا يمكن فقدانها بسرعة. ولا يمكن أن تتغابى الأمة عشر مرات خلال عشرين سنة. وتكمن القضية في أن الابتكارات تتجه اتجاها آخر ويتم تسريبها خلال قنوات خفية إلى دول أجنبية تستفيد منها في التنمية والتطوير.

ويبين العديد من الأمثلة أن العقل الروسي كان متميزا دائما وقادرا تماما على المنافسة مع عقول الدول العظمى والمتقدمة، وحسب تقارير المنظمات الدولية فإن روسيا تعتبر إحدى أكبر دولتين تم نهب وسرقة خبراتها ونتاجها البشري، والدولة الثانية هي ألمانيا، ولكن ألمانيا لم تعان مثلما عانت روسيا.

فالعقول الألمانية ونتاجها لم تستمر سرقته لأكثر من بضع سنوات قليلة بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، ثم عادت ألمانيا تحمي عقولها ونتاجها البشري. بينما استمر نهب وسرقة العقل الروسي ونتاجه طيلة سنوات الحرب الباردة وزادت حدته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بشكل كبير بات يشكل خطورة وتهديدا كبيرا لمستقبل الأمة الروسية.

وتتصدر روسيا الآن دول العالم من حيث عدد الهجمات الذهنية ولكن ليس بوسع الجميع استخلاص الفائدة دائما من ذلك، وعلى سبيل المثال كانت الحسابات الواردة في دفتر ''كوندراتيوك'' غير المعروف لأحد والصادرة في روسيا في الثلاثينات من القرن الماضي حول التحليقات الفضائية هي الأساس الذي قامت عليه علوم الفضاء في العالم فيما بعد، وقد تم سرقتها من روسيا ولم يعرف أين ذهبت.

ثم اكتشف وجودها في سنوات السبعينات الماضية في مكتبة الكونغرس الأميركي مغطاة بالغبار بعد ان استخدمتها وكالة ناسا الأميركية للفضاء في مسارات التحليقات الناجحة لسفينة ''أبوللو'' إلى القمر، ولم تجلب هذه الذرة الذهبية من الذهن الروسي المرمية في محيط المعلومات أي عائد لا للعالم الروسي الذي وضعها ولا لخزينة الدولة.

ربما اختار الله روسيا منذ البداية لكي تكون بلد الخامة ـ المادة، وقد لعبت روسيا دائما في منظومة الحضارة الأوروبية دور مصدر الخامات، وصدرت روسيا في القرون الوسطى إلى الغرب العديد من الخامات التي قامت على أساسها نهضة أوروبا. ومع حلول بداية القرن العشرين بدأ تصدير الأدب الروسي العظيم الذي سرعان ما أضيف إليه التصدير المكثف للأفكار الفنية لخيرة الفنانين والمبدعين والمفكرين الروس.

وولدت في روسيا بالذات النزعات التجريدية والإنشائية والرمزية والمستقبلية، وأبدعت روسيا تكنيك الباليه للرقص الكلاسيكي ومذهب ستانيسلافسكي العبقري في المسرح الذي لا يزال السائد في العالم أجمع تقريبا، وكان كل ذلك دون مقابل، ولم يكسب شيئا لا المؤلفون ولا ورثتهم ولم تحصل الدولة على ضرائب من المستفيدين من هذا النتاج البشري الكبير.

لعل من الضروري الآن بالتحديد وفي ظل القيادة الوطنية الروسية الحالية تعميق وتوسيع مفهوم الخامات بعد أن نضيف إلى النفط والغاز التصدير العظيم للذهن وبخاصة الفن، ويجب أن تتعلم روسيا كيفية بيع الأفكار. وينبغي في البداية أن تتعلم على الأقل كيف تحسبها وتقدر قيمتها، فما أكثر المواهب التي تغادر البلاد.

لقد بحث البرلمان الروسي في عام 2003 أخيرا مشروع القانون المدني الذي ظهر فيه لأول مرة قسم حول الملكية الذهنية. ولكن هل ستقتبس روسيا هنا القوانين من الأجانب أم ستبتكر شيئا ما روسيا أصيلا؟

فان مذهب ستانيسلافسكي ومسرحيات تشيخوف وأفكار تسيولكوفسكي حول الصواريخ وحسابات كوندراتيوك للفضاء، كل هذا يمكن بل يجب أن يعترف بأنه ملكية ذهنية لأحد ما، وأن يحميه قانون حق المؤلف المبدع وورثته وان لم يكونوا موجودين فحق الأمة في استخدام ثمار عبقرية ابن الوطن. بمعنى أنه يجب وضع منظومة قانونية متكاملة تحمي نتاج العقل الروسي لأصحابه وللوطن أيضا. وكم ستزدهر روسيا بعد أن تصبح بلد بيع العلوم والفنون بدلاً من توزيعها بلا مقابل.

جامعة سيبيريا