من الممكن التكهن بأن تركيا سوف تدخل في حالة جديدة من الاستقطاب على خلفية الإجراءات التي تتخذ حاليا من اجل إلغاء قرار منع ارتداء الحجاب في الجامعات حيث وافق البرلمان التركي على خطوة تقضي بالتصويت النهائي على اقتراح حكومي بتخفيف الحظر المفروض على ارتداء النساء التركيات غطاء الرأس في الجامعات.
وكانت السلطات العسكرية التركية قد حظرت على الطالبات التركيات ارتداء غطاء الرأس داخل الجامعات بعد استيلاء الجيش على السلطة في انقلاب عسكري عام 1980 بهدف التصدي لنفوذ الإسلاميين في الحياة السياسية. وقد صوت 397 نائبا لصالح رفع الحظر عن ارتداء غطاء الرأس مقابل 113 نائبا صوتوا ضد الاقتراح الحكومي، الأمر الذي يعنى أن التصويت النهائي سيمرر هذا القرار.
وفي جلسة البرلمان التركي، هدد «حزب الشعب الجمهوري» (العلماني) بإحالة هذا القرار على المحكمة الدستورية، باعتباره «يهدد» النظام العلماني.وتظاهر عشرات من اليساريين قرب البرلمان، مرددين هتافات ضد حكومة رجب طيب أردوغان، وتعهدوا إسقاط مشروع القانون.
ويجيز مشروع التعديل الدستوري الذي اقترحه «حزب العدالة والتنمية» الحاكم بالاشتراك مع «حزب الحركة القومية»، ارتداء الحجاب في الجامعات، على رغم ما يثيره من جدل وانقسام في البلد، في ظل تجاذب حاد بين العلمانيين والمتدينين.
ويتمتع الحزبان المتبنيان للمشروع بغالبية ثلثي الأصوات (367 من 550) اللازمة في البرلمان لضمان تمرير مشروع التعديل، على رغم القلق لدى أوساط العلمانيين التي تعتقد بأنه قد يؤدي إلى تشريع ارتداء الحجاب في أماكن أخرى مثل الإدارات العامة والمدارس، الأمر الذي ما زال محظوراً.
وإذا كان المشروع يشكل جزءاً من التعديلات دستورية وعد بها «حزب العدالة والتنمية» منذ فوزه في الانتخابات التشريعية العام الماضي.
فهو في نفس الوقت يحقق مصالح للحزب الآخر الذي يعتمد في شعبيته على الطبقة المتوسطة في الريف وهى محافظة قيميا وثقافيا بما يتطلب من الحزب مراعاة ذلك إذا ما أراد الحفاظ على شعبيته لكن على الجانب الآخر فان المشروع يواجه بموجة تنديد عارمة في الأوساط المتمسكة بمبدأ العلمانية، خصوصاً في صفوف الجيش والقضاء والإدارة الجامعية حيث يعتبر ارتداء الحجاب بمثابة إشارة انتماء إلى الإسلام السياسي، الأمر الذي يفتح الباب أمام الاستقطاب السابق الإشارة إليه.
ففي الوقت الذي يرى العلمانيون أن مشروع القرار يهدف إلى تعطيل مبدأ العلمانية. وإن هذه الخطوة ستشجع الدوائر الإسلامية المتشددة في تركيا على تسريع وتيرة الحركة المطالبة بإقامة دولة دينية، مما سيقود إلى تقديمها مطالب أخرى منافية لروح الجمهورية.
فان الإسلاميين يرون أنهم يعيدوا العمل بمبدأ المواطنة إلى تركيا ذلك أن منح حق متساو في التعليم لكل مواطن ليس ضد دولة القانون والديمقراطية، وهم في ذلك يذكرون بان منع المحجبات من الدخول إلى قاعات العلم في الجامعات كان يؤدى في السابق إلى عكوف كثيرات منهن عن استكمال دراساتهن بسبب هذا القرار الذي كن يعتبرنه جائرا.
وإذا كانت هناك دلالات لمعركة الحجاب الأخيرة في تركيا بعيدا عن أنها أعادت الاستقطاب إلى الساحة التركية بعد فترة طويلة من الاستقرار فهي أنها تؤكد أمرين الأول قدرة حزب العدالة والتنمية على عمل تحالفات مع أحزاب من المعروف أنها تختلف معه فكريا بما يؤكد انه استطاع ان يجعل من نفسه رقما صعبا في المعادلة السياسية التركية وبالطبع فان الحزب يدرك القاعدة السياسية والشعبية للأحزاب الأخرى ويستطيع استثمارها لصالح برنامجه على النحو الذي حدث في مشروع القرار الأخير.
أما الأمر الثاني فيتمثل في ان المعركة تؤكد بالفعل عزم العدالة والتنمية على تغيير البنية التشريعية التركية بما يعطى فرصة عمل أوسع للتيار الإسلامي وبما يزيل الغبن الذي لحق بالإسلاميين خلال السنوات الماضية التي سيطرت فيها الأحزاب والنخبة العلمانية على العملية السياسية في تركيا.
ومن هذه النقطة بالذات يستطيع المراقب أن يفهم ويستوعب مخاوف العلمانيين من أن يكون مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة أول خطوة باتجاه إلغاء الطابع العلماني للدولة التركية.
ولكن الخائفين على استقرار تركيا لهم رأى ينطلق من مخاوفهم من أن يتم فتح المجال أمام خلاف بين المؤسسة العسكرية القوية في تركيا وبين الحكومة ذلك أن الجيش يرى أن هناك عددا من المبادئ لا يجوز المساس بها وهي بمثابة أسس الدولة التركية، وتشمل الاتاتوركية، نسبة إلى مصطفى أتاتورك، والملف الكردي والمسألة الأرمنية وعلمانية الدولة والانتماء العرقي التركي لجميع سكان تركيا.
وهذه المخاوف تنطلق من أن أصحاب هذا الرأي يخشون من تجدد الصراع بين النخبة التركية الأمر الذي يؤثر سلبا على الاستقرار السياسي ويفتح الباب أمام أضرار يتكبدها الاقتصاد التركي الذي لا يتحمل أية هزات في الوقت الراهن.
من هنا لا يستطيع المراقب أن يتوقع ماذا سيحدث في المستقبل خاصة أن العدالة والتنمية تتميز تحركاته بالهدوء والليونة بما يضع المؤسسة في موقف صعب لأنها لا تستطيع أن ترد على خطوات صغيرة لكنها تدرك أن هذه الخطوات الصغيرة عن طريق تراكمها وترابطها يمكن أن تؤدى فعليا إلى إحداث تعديل جوهري في البنية السياسية والتشريعية بل والثقافية لتركيا.
من هنا فان سلوك المؤسسة العسكرية في أعقاب إقرار القانون الذي لا تستطيع أن توقفه سيكون هو المحك فيما يتعلق بعودة عدم الاستقرار السياسي من عدمه. بما يعنى أن تركيا يمكن أن تدخل في مرحلة حرجة في حال اختارت المؤسسة العسكرية المواجهة مع الحكومة.
من هنا نستطيع القول ان تركيا تمر في الوقت الراهن بمرحلة مهمة من تاريخها الحديث سواء اختارت المؤسسة العسكرية المواجهة أم اختارت ان تغض الطرف عما يحدث من جانب حزب العدالة والتنمية.
كاتب مصري