مشاهد فرح عفوية عارمة تهز الوجدان، هذا هو أقل وصف لما شهدته مصر منذ مساء أول من أمس عقب فوز منتخب مصر ببطولة الأمم الإفريقية لكرة القدم ..
خرج الناس إلى الشوارع رغم البرد يرقصون ويهتفون لـ «أبطال» الكرة متغنين باسم مصر ورافعين علمها الوطني، تحولت الشوارع إلى ساحات للاحتفال وأصبح قطع مسافة مئة متر في بعضها حلما يراود راكبي السيارات، لا حديث في المقاهي والمنتديات وأماكن العمل طوال اليوم التالي إلا عن أبو تريكة وعمرو زكي وعصام الحضري وأحمد حسن وبقية اللاعبين وجهازهم الفني بقيادة حسن شحاتة .. تحول الجميع إلى أبطال وطنيين بل وأساطير تأخذ بالألباب وكأنهم «جيفارا» و«هوشي منه» و«جمال عبد الناصر».
في شارع يتعطش إلى الفرح ويحاول «اختراعه» يبدو ذلك عاديا، فالناس ملوا من كثرة الهموم والأحزان، لذلك هربوا من السياسة والاقتصاد ونكد المعيشة إلى كرة القدم حيث الفرح المباح والتظاهرات المسموح بها.
وفي الوقت الذي يمكن أن يحتشد فيه ألفان من جنود الأمن المركزي والقوات الخاصة لمحاصرة مئتي متظاهر في عز الظهر بذريعة التخوف من انفلات الأوضاع تسمح السلطة بتظاهرات تضم مئات الآلاف دون خوف أو وجل في نصف الليل ودون أن تنفلت الأوضاع رغم انعدام وجود الشرطة في الشوارع، فلا عنف من أي نوع ولا مشاجرات ولا طوبة واحدة يتم رميها.
الشعب المصري مسالم إذن، والخوف من تحول أي تجمع إلى أعمال شغب أمر بعيد الحدوث، فالذين يشاركون في التظاهرات السياسية ليسوا عينة أخرى من الناس هم أيضا شباب صغار، عمال وطلبة جامعة وحرفيون وباعة جائلون ونازحون من الريف إلى المدن بحثا عن فرص عمل، وهم أيضا من الفقراء ومن الطبقة الوسطى التي أصبحت مطحونة هي الأخرى.
الملمح الثاني مشاركة الجميع في إعلان فرحته الطاغية بـ «النصر الوطني»، فالمسؤولون على رأس المشاركين، ومذيعو التلفزيون الجادون تحولوا إلى أراجوزات يرسمون العلم الوطني على خدودهم مثلما هو حال المراهقات الصغيرات، وشبكات الاتصال الهاتفي تكاد تهوي أمام ضغط مكالمات التهاني ورسائل ال إس إم إس، ومثلما يحدث في كل نصر وطني تصيب الجميع حالة من الفحولة المؤقتة، والسكرة التي يتمنى الجميع ألا توقظه الهموم منها.
ما الذي اختزل الأحلام الوطنية الكبيرة وحولها كلها إلى ساحة الكرة وجعل الفرح محتكرا بين أقدام اللاعبين، هذا هو الشغل الشاغل لعلماء الاجتماع لكن هناك ملامح بادية للعيان يمكن أن يضع المرء يده عليها.
الدنيا تتحرك والأوطان تلهث وتتدافع نحو التقدم، يحس المصريون أنهم يتحركون للخلف فالقضايا التي تشغلهم هي ذاتها منذ عقود، وكبح جماح الغلاء والتضخم والبحث عن وظائف لأجيال جديدة دون جدوى والاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية.
وهناك أوضاع اقتصادية سيئة، فالغلاء يفتك بالجميع والتضخم يحيل الرواتب إلى حمام يطير مع الايام الأولى للشهر، لكن المصريين تعلموا أن يبحثوا بطريقتهم الخاصة عن دخول إضافية عبر العمل في وظائف متعددة في الوقت نفسه، والاتجار بكل شيء، من أراضي الدولة إلى الشقق المدعومة التي تبنيها، ومن التوسط من أجل تخصيص فرص العمل خاصة التي تحمل ترقيا اجتماعيا مثل النيابة والشرطة، إلى التوسط من أجل استصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة .. الجميع يلعب نفس اللعبة.
رغم كل شيء يعيش المصريون.. ويوفرون مقاييس الرضا الاجتماعي التي تناسبهم وبطريقتهم الخاصة، ويتفننون في تعويض انفسهم عن الملذات والحقوق التي يحرمون منها، بالنكتة حينا، وبالغرق في متاهات الانتصارات الرياضية، ويثبتون أن الشعوب لا تموت إذا افتقدت المشاريع الوطنية والقومية، ولا حين تفقد حكوماتهم البوصلة.
الفرحة الطاغية بالانتصارات الكروية نوع من عبقرية التعويض عما يجب أن يكون بما هو كائن فعلا.