على نحو غامض ومرتبك تتلاحق وتتضارب الأحداث على ساحة الوضع الفلسطيني بما يؤكد خطورة استمرار وتعمق حالة الانقسام التي تشكل ظرفاً نموذجياً لإسرائيل التي وجدت ضالتها في هذا الانقسام لتدفع الأمور بعيداً عن كل محاولات معالجة القضية الفلسطينية والصراع، بما يضمن تحقيق سلام مستقر.
فبعد اثني عشر يوماً من اجتياح حدود قطاع غزة مع مصر، جرى خلالها إخلاء منطقة العريش من كافة أنواع البضائع التي يحتاجها المختنقون بالحصار، عادت السلطات المصرية لبناء السياج الحدودي وإغلاق المنافذ، وإرسال تعزيزات شرطية كثيرة أثارت حفيظة الفلسطينيين على الجانب الآخر، والذين اعتقدوا أنهم أطاحوا بجدران الحصار المشدد الذي تفرضه عليهم إسرائيل.
لم يدرك بعض الفلسطينيين أو أنهم لا يريدون إدراك أن فتح الحدود على النحو الذي جرى، يشكل انتهاكاً لسيادة مصر، ولم يكن بالإمكان تجاوزه إلا تحت ضغط الكارثة الإنسانية التي يتسبب بها الحصار، لكن تنفيس حالة الاختناق شيء، وفتح الحدود على غاربها شيء آخر ويدخل في حسابات الأمن القومي المصري وجملة العلاقات والاتفاقيات التي تقيمها مصر على المستويين الإقليمي والدولي.
على أن مصر تدرك كما يدرك الكثيرون أبعاد المخطط الإسرائيلي الذي يسعى لعزل قطاع غزة ودفعه نحو مصر، لتتحمل هي المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية عن سكان القطاع كمقدمة لتخلي إسرائيل عن مسؤولياتها القانونية كدولة احتلال غير عابئة بما يفعل الغزاويون، إن كانوا سيقيمون كياناً مستقلاً أم مرتبطاً بشكل أو بآخر بمصر.
هذا الإدراك دفع مصر لإغلاق الحدود ورفض اقتراح يقول عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الدكتور نبيل شعث إن حركة حماس تقدمت به، ويطلب من مصر تحمل المسؤولية الاقتصادية عن القطاع، وبدلاً عن كل ذلك وجهت الدعوة لحركتي حماس وفتح، لحوار في القاهرة من أجل معالجة موضوع الحصار ومعبر رفح.
وفي الواقع كان مقدراً سلفاً أن الجهد المصري للحصول على موافقة حماس، بأن تدير السلطة الفلسطينية المعبر وتتحمل المسؤولية عنه، سيصل إلى الفشل، وذلك لأن حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، قد عبرت عن رفضها للتفاهمات الخاصة بالمعابر التي جرى الاتفاق عليها بإشراف وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في نوفمبر عام 2005م. وبالمناسبة،
فإن تلك التفاهمات لا ترقى إلى مستوى الاتفاقية، إذ لم يوقع عليها الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي، بسبب جملة من التحفظات، ما جعل وزيرة الخارجية الأميركية تفرضها على الطرفين حتى أسماها الكثيرون بتفاهمات كوندي. التناقض صارخ وكبير بين الطرفين الفلسطينيين المتصارعين،
فالرئيس محمود عباس الذي تلاقي مبادرته بشأن المعابر موافقة دولية وعربية وحتى إسرائيلية، لا يبدي أي استعداد لشراكة مع حماس، أو لأخذ تحفظاتها بعين الاعتبار كما أنه يتمسك بتفاهمات كوندي بشأن كل المعابر.
أما حركة حماس فلا تعترف بها، وتلح على ضرورة أن يكون لها دور رئيسي في الإشراف على المعابر. وبسبب فشل المحادثات غير المباشرة في القاهرة والتي لا تعني توقف الجهد المصري وإغلاق الحدود بين مصر وقطاع غزة، عاد سكان القطاع إلى دائرة الحصار، إذ إن ما عادوا به من بضائع مصرية، لا يكفي إلا لبضعة أيام،
خصوصاً فيما يتصل بالقضايا الأساسية والأدوية والمحروقات، فيما نشأت مشكلة نحو خمسة آلاف فلسطيني عالقين في منطقة العريش، يريدون التوجه إلى بلدان أخرى، فيما تحاول مصر إعادتهم إلى قطاع غزة.
وفيما الأزمة على الحدود المصرية مع قطاع غزة تتفاقم، حيث جرت يوم الاثنين الماضي اشتباكات أدت إلى سقوط قتيل وأكثر من خمسة وعشرين جريحاً من الطرفين الفلسطيني والمصري، وهو أيضاً ما ترغبه إسرائيل التي تحاول إدارة قرص نار الحصار بعيداً عنها، وقعت عملية هي الأولى من نوعها منذ فترة طويلة في مدينة ديمونة جنوب إسرائيل.
العملية التي وقعت صباح الرابع من هذا الشهر لفتت الأنظار في إسرائيل إلى مدى هشاشة النظريات الأمنية التي تتبعها الأجهزة الأمنية، خصوصاً في حال توسع مدى تحرك الفلسطينيين إلى منطقة سيناء حيث يصل طول الحدود مع إسرائيل إلى نحو مئتين وسبعين كيلومتراً.
العملية المفاجئة والصعبة بغض النظر عن حصادها من الضحايا، في مدينة المفاعل النووي الإسرائيلي، جاءت بعد الإعلان عن النتائج النهائية لتقرير فينوغراد بشأن الحرب الفاشلة على لبنان، لتضيف فشلاً آخر للأجهزة والمؤسسات الأمنية التي أقر تقرير فينوغراد بمسؤوليتها عن الفشل في الحرب على لبنان.
من بين ردود الفعل اللافتة للنظر على العملية، اقتراح على لسان أحد المسؤولين الإسرائيليين الذي طالب الحكومة بإقامة جدار فاصل على طول الحدود مع سيناء، الأمر الذي يدعو للتفكير في الوجهة التي تسير فيها إسرائيل،
فبدلاً من الانفتاح على المحيط والسعي لتطبيع العلاقات مع الجيران والبحث عن السلام الذي يحقق الأمن والاستقرار، ثمة من يدفع إسرائيل إلى المزيد من الانعزال والانغلاق، مما يشير إلى أن طبيعة الدولة الإسرائيلية لا تسمح بالتعايش مع الآخر.
لحل مشكلة الأمن في الضفة، أقامت إسرائيل حاجزاً إسمنتياً مرتفعاً يمتد لأكثر من سبعمئة كيلومتر، ولحل مشكلة الأمن مع غزة، تقيم جداراً آخر، وجدارا ثالثا مائيا كانت تفكر إسرائيل في إقامته على ما يسمى بمحور فيلادلفيا بين القطاع ومصر،
والآن تفكر في إقامة جدار على الحدود مع سيناء، وربما غداً تفكر بإقامة جدار آخر في منطقة الأغوار على الحدود مع الأردن. وعلى الجانب الآخر الفلسطيني يثير الانتباه، ان عدداً ليس قليلا من الفصائل، من بينها كتائب شهداء الأقصى وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى وكتائب أخرى
بالإضافة إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام، كلها أعلنت أنها هي التي قامت بالعملية. هذا التسابق الذي أنهته حركة حماس في اليوم التالي باعتبارها المسؤولة عن العملية، يشير إلى أن أكثر من طرف فلسطيني يفكر بالقيام بعمليات داخل إسرائيل. وسواء وقعت عمليات داخل إسرائيل خلال الفترة المقبلة أم لا،
فإن مجرد التفكير والعمل من أجل ذلك يشير إلى تغيير في خارطة الأوضاع، وربما الخيارات مما قد يؤدي إلى الإطاحة بكل العملية السياسية التفاوضية التي تقودها الولايات المتحدة منذ بعض الوقت، وأيضاً بما يعمق الخلل في التوازنات والعلاقات الداخلية الفلسطينية.
ويعني وقوع العملية، والتسابق الفلسطيني بشأن المسؤولية عنها، تأكيد المؤكد من أن إسرائيل لا يمكن أن تكون في مأمن حتى لو كان الوضع الفلسطيني في أسوأ أحواله وأضعفها،
وأن لا سبيل أمامها سوى البحث عن السلام، والاستعداد لدفع كل الثمن المطلوب من أجل تحقيقه، وهو ما لم تدركه القيادات السياسية والأمنية الإسرائيلية التي لا تزال تركب قارب العنجهية وغطرسة القوة والعنصرية.
الوضع في قطاع غزة، وفي الإطار الفلسطيني الأشمل وعلى مستوى الصراع مع إسرائيل والحصار، وأيضاً في إطار العلاقات الفلسطينية المصرية، مرشح لتطورات دراماتيكية سريعة وخطيرة، بدأت بردود فعل غاضبة في قطاع غزة ضد إسرائيل،
وتهدد بردود أخرى صعبة في منطقة الخليل التي قيل إن المقاتلين الذين قاموا بعملية ديمونة خرجوا منها. وفي كل الحالات، فإن المواطن الفلسطيني لا يزال هو من يدفع ثمن فاتورة الصراعات السياسية بين الفصائل والقيادات، وهو من يدفع أيضاً ثمن المخططات الإسرائيلية التي تستهدف وجوده على الأرض.
كاتب فلسطيني