استقال وزراء حزب إسرائيل بيتنا من حكومة إيهود أولمرت الشهر الماضي، وشق رئيس الحزب أفيغيدور ليبرمان بذلك الطريق لإسقاط هذه الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة.

إن أفيغيدور ليبرمان هو في الواقع مثال حي وصريح ومباشر ليس فقط عن الساسة الإسرائيليين الذين يتناوبون على حكم إسرائيل ويلبسون أقنعة تغطي وجوههم تغطية كاملة أو جزئية، وإنما أيضاً عن الشارع الإسرائيلي الذي ينزاح إلى اليمين المتطرف يوماً بعد يوم، وتزيد مطامعه ورغباته وقناعاته وعنصريته مع مرور الزمن ومع تراجع الموقف العربي وضعفه وهوانه،

والفرق أن ليبرمان (سياسي صبياني على المستوى الشخصي، وطفولي على المستوى الجماهيري) كما قال ناحوم برنباع في جريدة إيديعوت أحرونوت، ولا يستطيع أن يخفي عنصريته وحقده وفاشيته كما يفعل الآخرون من حزب الليكود وكاديما إلى حزب شاس والعمل وغيرها من الأحزاب.

إن ليبرمان هو (مواطن) إسرائيلي حديث العهد بمواطنته، فقد وطئ أرض فلسطين قبل ثلاثين عاماً فقط ورغم ذلك أصبح شعاره الرئيس وشعار حزبه طرد الفلسطينيين من داخل أراضي 1948 إلى خارج إسرائيل،

وتعزيز عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وغزة، وانسحب من الحكومة الإسرائيلية لأنها قبلت بالمفاوضات على أساس مبدأ مدريد (وهو مبدأ مخادع في الواقع) أي الأرض مقابل السلام، مطالباً بالمفاوضات تحت شرط مسبق هو الأرض مقابل السكان، أي في مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة يتم تهجير فلسطيني 1948 إليها،

وأفصح بذلك عن عنصرية بغيضة وصهيونية فجة، لكنها في حقيقة الأمر تعبر عن الرغبة الحقيقية لمعظم السياسيين الإسرائيليين والأحزاب الإسرائيلية والشارع الإسرائيلي، الذين يحاولون حجب رغباتهم وآرائهم الحقيقية بأقنعة زائفة عكس ما يفعله ليبرمان.

ليبرمان مثال حي آخر يشير إلى استسهال الصهاينة انتهاك الحقوق العربية، فهو مولد في الأصل (جمهورية سوفييتية سابقة) بقي في بلاده حتى عام 1978 حيث هاجر إلى إسرائيل، وعمل مع بنيامين نتنياهو (مدير مكتبه) ثم بتحريضه أسس حزب (إسرائيل بيتنا عام1999) ونشط بين المهاجرين السوفييت (مليون مهاجر)،

وكانت مبادئ حزبه عند إنشائه العمل عل استيعاب المهاجرين السوفييت ومساعدتهم على التعايش مع المجتمع الجديد، ثم بدأ يطور هذه المبادئ استرشاداً بآراء جابوتنسكي (معلم بيجن) وانطلاقاً من شعار (أن درجة الولاء للوطن تقاس بدرجة معاداة العرب)،

ووجد ترحيباً وتأييداً لهذه الشعارات من الشارع الإسرائيلي وقبولاً ضمنياً من الحكومات الإسرائيلية والأحزاب الإسرائيلية (ودائماً من وراء الأقنعة) فانطلق مسرعاً في تعبيره عن التيار العنصري المتطرف الفاشي،

ووسع طيف شعاراته في السنوات الأخيرة فنادى بقصف السد العالي بقنبلة نووية وتدمير طهران وإلقاء قنبلة على مقر عرفات بهدف قتله (حدد وزنها بطنين) وأخيراً استقر على ضرورة طرد العرب من (إسرائيل) وإبقائها دولة يهودية نقية (وتطهيرها من الشوائب العرقية) وبنى مرجعيته على أساس النصوص الدينية (التلمودية غالباً).

إذن، بدأ حزب ليبرمان بالعمل على استيعاب مواطنيه من المهاجرين السوفييت الجدد، ولما وجد الطريق مفتوحاً وسالكاً وسهلاً تجاوز الخطوط الحمر وعبر عن فاشيته وعنصريته بعد أن تأكد أن نهجه مشابه لنهج حزب كاديما الحقيقي والضمني وحزب العمل والسياسة العامة للأمن القومي الإسرائيلي ولمواقف أولئك الخائفين من النمو الديموغرافي للفلسطينيين، والظاهر أنه لمس أن الشارع الإسرائيلي يؤيده ويعجب بآرائه،

وان الفرق بينه وبين غيره من السياسيين الإسرائيليين هو أنهم يلبسون الأقنعة بينما هو خلع قناعه منذ الأيام الأولى لهجرته إلى إسرائيل، وربما وجد أن صراحته هذه وتصريحاته غير المبطنة تزيد عدد مناصريه

ولذلك فإن حزبه ربح أربعة مقاعد في الكنيست (البرلمان عام 1999) ثم ارتفع العدد إلى أحد عشر مقعداً في الانتخابات الأخيرة، مما يدل أن جنونه وعنصريته وفاشيته تلاقي هوى لدى الناخب الإسرائيلي.

لا ينحدر ليبرمان وأمثاله من اليهود السوفييت ومعظم اليهود الأوروبيين والأميركيين في الواقع من القبائل اليهودية الإثنتي عشرة التي تشير إليها التوراة والتي تزعم الحركة الصهيونية بأن لها حقاً في العودة إلى أرض الأجداد (أرض إسرائيل)،

ذلك لأن يهود تلك البلدان هم من اليهود الخزر الذين اعتنقوا اليهودية وأقاموا دولة الخزر اليهودية التي انهارت في القرن التاسع الميلادي وانتشروا بعد انهيارها في أوروبا وفيما بعد في الولايات المتحدة، وبالتالي فليس لهم ـ حتى حسب مزاعم الحق التاريخي ـ حق في العودة إلى (أرض الأجداد)، فأجدادهم لم يكونوا يوماً في فلسطين

ولا قريبين منها إنهم من وسط آسيا (أصلاً وفصلاً) ويهود طارئون، ويطلق عليهم بعض المؤرخين تهكماً أبناء القبيلة الثالثة عشرة، ومع ذلك فقد عاد هو وأمثاله منذ ثلاثين عاماً فقط ولم يكتفوا بممارسة مزاعم حق العودة وحق المواطنة بل اخذوا ينادون بطرد أهل البلاد الأصليين وتنقية الدولة من (الأغراب).

يهودي خزري الأصل سوفييتي المواطنة، مغامر هرب من بلاده وهاجر إلى فلسطين دون أن يعرف عن الديانة اليهودية شيئاً، ثم وجد ضالته في تبني شعارات فاشية وعنصرية متطرفة، تتناقض مع مفاهيم عصرنا وقيمه كلها،

يجهر بعنصريته ويفتخر، ويجد تأييداً حاشداً من المجتمع الإسرائيلي، وترحيباً آخر من أهل الوسط ويدخلونه في الحكومة، وترحيباً آخر من أهل اليمين لخروجه منها، ينادي بالتدمير والقتل والتهجير والاغتيال ولا يجد من يردعه لا عربي ولا أعجمي ولا إفرنجي.

إنها مفارقة تبين أي عالم نعيش فيه، وأي هوان وصل إليه العرب، وأي ميزان مائل يزن به الأوروبيون والأميركان الواقفين بالمرصاد لأي تصريح من عربي في الوقت الذي يسمعون فيه هذر ليبرمان الذي يصم الأذان دون أن ينبسوا ببنت شفة، ومع ذلك ينكر الغرب أنه يكيل بمكيالين.

كاتب سوري