الحزبان الكرديان في العراق هما الأكثر حركة ونشاطاً في ساحته السياسية وهما الأكثر خبرة في المناورات، وبالتأكيد هما الأكثر حنكة في التعامل والتفاوض مع الآخرين. فقد شهدنا في العام المنصرم نوعين من التحالفات أقامها هذان الحزبان، الأول سُميَ بالتحالف الرباعي أبرماه في أغسطس مع المجلس الأعلى الإسلامي ومع جناح حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي، والثاني أبرماه في ديسمبر مع الحزب الإسلامي دون أن يُطلق عليه مسمى التحالف الثلاثي وذلك مراعاة لحساسية موقف الحليف الجديد أمام كتلته في مجلس النواب.
الفارق الزمني بين التحالفين لا يزيد على بضعة شهور، إلا أن هذه الفترة القصيرة قد شهدت نضوج مواقف متباينة لحلفاء الأمس، فالتحالف الأول جاء تعزيزاً لحكومة المالكي التي كانت تشكو من عزلة واضحة بسبب انسحاب عدد من الكتل السياسية منها، في حين جاء التحالف الثاني بمثابة رسالة إنذار لهذه الحكومة حين بدأت الخلافات معها تخرج إلى العلن، حول قضايا عديدة تتعلق بحصة التحالف الكردستاني في ميزانية الدولة، وشرعية عقود النفط التي أبرمتها سلطات إقليم كردستان دون الرجوع إلى الحكومة المركزية، وتنفيذ المادة 140 من الدستور الخاصة بمستقبل كركوك ورواتب الفصائل الكردية المسلحة.
أفرزت هذه الأزمة واقعاً جديداً ألحق، لأول مرة، بعض الضرر بالتحالف الكردستاني ودفعه نحو عزلة سياسية قد تتفاقم مع مرور الوقت، إذ على عكس ما كان يهدف إليه في تحالفه مع الحزب الإسلامي من إضعاف لحكومة المالكي، أسهم ذلك التحالف في تقوية هذه الحكومة، فقد وقّع أكثر من 150 نائباً ينتمون إلى اثنتي عشرة كتلة سياسية من مختلف الاتجاهات، مذكرة تفاهم تُدعم موقف حكومة المالكي من عقود النفط المُختلف عليها مع التحالف الكردستاني.
وتدعو إلى حل قضية كركوك عن طريق التوافق مما لا يرضي التحالف الكردستاني. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن بعض الكتل السياسية التي أضعفت حكومة المالكي بانسحابها منها في وقت سابق تدرس إمكانية عودتها إلى الحكومة، كما لم تخل بعض تصريحات قياديين في المجلس الأعلى الإسلامي، وهو أقرب الكتل السياسية إلى التحالف الكردستاني، من إشارات إلى أن هذا التحالف لم يعد له من النفوذ ما كان له في الماضي، بفعل المطالب المبالغ فيها التي يطرحها.
التحالفات تكتيك سياسي لتحقيق أهداف لا يمكن أن تكون بعيدة المدى، فما رأيناه حتى الآن من التحالفات في إطار العملية السياسية الجارية في العراق هي تحالفات هشة سهلة الكسر، فقد بدأت كتلة الائتلاف العراقي الموحد بالتفكك منذ خروج حزب الفضيلة والتيار الصدري منها، وخرج عدد من نواب القائمة العراقية عن مسيرة قيادتها، والخلافات داخل جبهة التوافق في تفاقم، وليس من المستبعد أن نشهد تفككاً في التحالف الكردستاني نفسه وهو الكتلة الأكثر صلابة في العملية السياسية.
هذا التفكك في التحالفات ليس نهاية لها، بل بداية نمط جديد منها يستند إلى قواعد قد تكون مختلفة عن السابق، إذ يبدو أن عصر اليد القوية التي تحرك المشهد من خلف الستار قد أفلَ في العراق، بعد أن كبرت وتصلبت أياد جديدة استطابت لذة النفوذ والشهرة والمال.
فمن المتوقع أن تشهد السنتان المتبقيتان من عمر حكومة المالكي نشاطاً محموماً لعقد تحالفات وإبرام صفقات واصطياد أصدقاء واستهداف خصوم وتجميع قوى، إلا أنها سوف تبقى محكومة بقواعد اللعبة التي يصنعها فقط 275 شخصاً أو بعضاً منهم ممن يواظب على حضور جلسات مجلس النواب. فسوق التحالفات السياسية في نمو مطرد بعد أن أصبح البون شاسعاً بين النخب السياسية التي تجلس تحت قبة المجلس النيابي، وبين الشارع العراقي وجمهوره المُحبط. فلماذا الحرص على إقامة هذه التحالفات ومن هو صاحب المصلحة فيها ومن هو المستهدف منها؟
هنالك أسئلة كثيرة في هذا السياق لن نطرحها، إذ لا مجال للإجابة عنها في هذا العدد المحدود من السطور. تكمن في جوهر التحالفات القادمة في العراق مصالح عليا حول قضيتين كبيرتين وضعت أسس مقاربتهما في الدستور العراقي المختلف عليه، وهما قضية كركوك، والفيدرالية. فقد بدأ التحالف الكردستاني، الذي يضع قضية كركوك على رأس أولوياته، يواجه معارضة متصاعدة لتطبيق المادة 140 الخاصة بهذه المحافظة، وبدأ يلمس أن مجلس النواب قد يخذله في نهاية المطاف.
فهنالك أصوات تتصاعد داخل كتلة الائتلاف العراقي الموحد نفسها وبالذات من المجموعة المستقلة فيه، تطالب بأن تكون كركوك إقليماً قائماً بذاته بسبب خصوصية تتمتع بها. كما أن هذه القضية بدأت تأخذ بعداً دولياً بعد أن طلبت الأمم المتحدة تأجيل الاستفتاء حول مستقبلها مدة ستة شهور وافقت عليها الأطراف ذات العلاقة، راضية أو مرغمة، ومن ضمنها حكومة إقليم كردستان.
كما أن قضية كركوك لم تكن منسية حين بدأت تركيا تستعرض عضلاتها على الحدود الشمالية للعراق، بحجة قيام بعض المقاتلين في حزب العمال الكردستاني التركي بعمليات ضد المواقع التركية من قواعد لهم في أحد جبال العراق. وهذه القضية لم تكن غائبة عن جدول أعمال اللقاء الذي تم بين طارق الهاشمي زعيم الحزب الإسلامي والسفير التركي في بغداد بُعيد عقد الاتفاق الثلاثي الأخير.
أما القضية الثانية فهي الفيدرالية في الوسط والجنوب، التي يروج لها بمنتهى الحماس المجلس الأعلى الإسلامي، والتي تلقى معارضة شديدة من قبل كتل سياسية عديدة في المجلس النيابي باعتبارها خطوة تمهيدية لتقسيم العراق.
هاتان القضيتان ستكونان محور الصراع السياسي وبؤرة الشد والإرخاء وتبادل المصالح وعقد الصفقات بين النخب السياسية التي سترسم خارطة تحالفاتها في ضوء الموقف منهما والموقف مما ورد بشأنهما في الدستور. أما القضايا التي تتعلق بصميم الحياة اليومية للمواطن العراقي فهي لا تلقى اهتماما يذكر من قبل النخب السياسية التي ابتعدت كثيراً عن أجندتها.
من يتابع المشهد العراقي لا يخطئ حقيقة أن الأميركان قد استطاعوا جر معظم النخب السياسية للمشاركة في الحكم الجديد، ومارسوا ضغوطا كبيرة على من استقوى بالأغلبية في مجلس النواب لتمرير مشاريع قوانين لم يكونوا راغبين في إقرارها، فقد وجدوا أنفسهم مرغمين، بين الحين والآخر، على لي عُنق الديمقراطية التي جاءوا بها لتحسين مسار العملية السياسية.
كاتب عراقي