أذكر أستاذاً محت معمعة الأيام اسمه من ذاكرتي، بالرغم من أني أحفظ واحدة من مفردات اسمه الثلاثي «عبدالمقصود».. كنا طلبة مشاغبين تفور في شراييننا طاقة الشباب ومشاغبات سن المراهقة، نرمي بعضنا بالأقلام والمساطر، ونستعرض عضلاتنا أمام بعضنا البعض ونعيش الرعونة بمفرداتها في تلك الأيام وتلك السن الوردية.
لكن الأستاذ عبدالمقصود كان يقهرنا بقدرته على السيطرة علينا بدءاً من دخوله إلى الصف إلى وقت انتهاء حصته.. والغريب أننا كنا نتمنى في نهاية حصته ان يطول بنا الوقت معه.
فلحت ألاعيب التطفيش مع أغلب الأساتذة، لدرجة ان مدرس الرياضيات اشتكانا للمدير مع طلب إعفائه من تدريس فصلنا، لأننا طلبة نرفض ان نستفيد ونضيع دقائق الدرس الثمينة في مهاترات.. إلا ان أستاذ عبدالمقصود، وبالرغم من انه ضعيف البنية.
وكنا نطلق عليه «لمسلل» أي المصاب بالسل، كان يمتلك حساً قوياً في الإقناع.. وحينما يبدأ في شرح درس العلوم كنا نجلس أمام ساحر يحول لنا مساحة الصف وجدرانه إلى فضاء واسع، قدرة قوية على جذب الانتباه إليه، وسياسة ذكية في استدراج انتباه طلاب المقاعد الخلفية.
يشرح عبدالمقصود بالكلام، ويؤشر بالإيماء ويقفز في ثوان من آخر الفصل إلى مقدمته ليخط خطاً على السبورة السوداء.. يقفز برشاقة بين نقاط الدرس. دائماً ما يكسر الروتين ودائماً ما تتحول حصته إلى ما يشبه العرض.. نحن مشدودون إليه وهو مشدود إلينا بالأداء.
بعد هذا العمر الطويل.. لا أعرف أين ذهبت الخطى بهذا الأستاذ الفذ الذي جعلنا نعشق كل كلمة وكل معلومة قالها لنا.. كنا نحن نحضر لجميع امتحانات المواد إلا مادة العلوم أغلبنا لا يفتح كتابها حتى ليلة الامتحان.. لأن عبدالمقصود قد كان انتهى من نقشها في مخيلتنا وغذى بها مداركنا.
كم من المدرسين من أمثال هذا المدرس المثالي في الإقناع والتأثير اليوم؟
تذكرت عبدالمقصود، الله يذكره بالخير وأنا استرق السمع لمكالمة هاتفية بين ابني وزميله في الفصل وهما يحاولان فهم مسألة في كتاب الرياضيات..
كانا يتذمران من طريقة شرح الأستاذ، صوته غير مسموع، يتحدث بسرعة لا تلتقطها الآذان، يكتب ويمسح سريعاً ما كتبه على السبورة، وكلما سأله طالب إعادة جملة فاتته في الشرح قال بعدين.. بعدين ويذهب وتذهب هذه «البعدين» معه!
كثير منا يحتفظ في ذاكرته بمدرسين عظام ميزتهم أنهم كانوا عباقرة في فن التوصيل والإقناع.. الضعف العام الذي تنبئ به المؤشرات في مستوى التحصيل العام في مدارسنا له علاقة أيضاً بأساليب الأداء عند المدرسين!
