العملية الانتحارية التي قام بها فلسطينيان الاثنين الماضي في مدينة ديمونا الإسرائيلية تثير تساؤلات حول مدى ضمان أمن ما يسمى بالسلاح النووي الإسرائيلي الذي يقدره البعض ببضعة مئات من الرؤوس النووية.

حيث ان مفاعل ديمونا النووي يقع على مسافة ليست ببعيدة عن مكان وقوع العملية الانتحارية، وربما يعيدنا هذا للسؤال حول الغموض المحيط بقضية السلاح النووي الإسرائيلي، هذا الغموض الذي جعل البعض يتساءل هل تملك إسرائيل بالفعل هذا الكم الكبير من الرؤوس النووية؟

أم أنها تستخدم نظرية الردع بالظن مع أعدائها العرب لتخيفهم كعادتها بالتهويل من قوتها العسكرية والنووية حتى يرتدعوا ويخشوا حتى التفكير في مواجهتها؟

بداية نقول إننا نميل للرأي الذي يضع احتمالاً كبيراً لعدم وجود هذا السلاح النووي وأن الأمر لا يخرج عن خطة إسرائيل في «ردع الآخرين بالظن».

الأسباب والمعطيات كثيرة، فالغموض الكثيف الذي يحيط هذه القضية على مدى قرابة نصف قرن مضى يثير الشكوك، ولا يمكن أن نصدق أن إسرائيل تخشى المجتمع الدولي وانتقاداته، ليس فقط لأن إسرائيل لا تقيم أي اعتبار للقوانين والمعاهدات الدولية ولكن لأن هناك دولاً مثل الهند وباكستان الإسلامية تملك هذا السلاح علناً وتمتنع مثل إسرائيل عن توقيع المعاهدات الدولية الخاصة بالسلاح النووي ولا تتعرض لأية انتقادات.

المصادر التي صرحت بأن لدي إسرائيل رؤوساً نووية تنحصر في ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، وجميعها مصادر مشكوك في مصداقيتها، ليس فقط لأنها من الدولتين الراعيتين لإسرائيل منذ نشأتها حتى الآن، ولكن أيضاً لأنها ليست مصادر موثوقاً في معلوماتها في هذا المجال، كما أن هناك تبايناً كبيراً فيما تقوله هذه المصادر.

وخاصة في عدد الرؤوس النووية الذي تراوح بين 60 و400 رأس، ومعظم من كتب أو تحدث في هذا الشأن أخذ عن هذه المصادر، مثل الكاتب الأميركي الشهير سيمور هيرش في كتابه «الخيار شمشون»، ثم تحول مؤلف سيمور هيرش ذاته إلى مصدر جديد، وهكذا تتوالى المصادر دون وجود دلائل مادية أو علمية ملموسة تؤكد وجود السلاح النووي لدى إسرائيل.

أما بالنسبة لقضية المواطن الإسرائيلي موردخاي فعنونو فهي مشكوك فيها جملة وتفصيلاً وأشبه بتمثيلية ساذجة، إذ لا يتصور أن يفعل يهودي أو إسرائيلي ما فعله فعنونو ويحكم عليه فقط بالسجن ويخرج ليتحدث بهذه الحرية وبحماية من الأمن الإسرائيلي.

وخروجه من إسرائيل بهذه المعلومات وسعيه لتسليمها لصحيفة صنداي تايمز بالتحديد وإلقاء القبض عليه بعد ذلك بيومين في إيطاليا وسجنه وخروجه من السجن سليماً معافى ليصرح بقوة بتمسكه بفضح إسرائيل، وبقائه حراً بلا أية تهديدات، كل هذه أمور مشكوك فيها تماماً، خاصة إعلانه تخليه عن ديانته اليهودية واعتناقه المسيحية وهو أمر غير مفهوم بالمرة علاقته بالقضية.

لن نخوض في التشكيك في المصادر الأجنبية ونشير فقط لمصادر عربية تدعم ما نقول، ومنها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي كان أولى من الجميع بفضح إسرائيل وسلاحها الذري أو النووي، لكن عبد الناصر طيلة حياته لم يتعرض لهذه المسألة إلا مرة واحدة قبل رحيله ببضعة أشهر في اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي في 22 يوليو عام 1970 الذي قال فيه عبد الناصر بالحرف «إسرائيل ما عندها» قنابل ذرية ولن يسمح أحد لها ولا لنا بامتلاك هذا السلاح».

مصدر آخر غاية في الأهمية وهو وزير الحربية ورئيس المخابرات المصرية الأسبق أمين هويدي الذي كان جهازه موجهاً بالتحديد لإسرائيل، وقد كتب هويدي أكثر من مرة يقول انه يميل للرأي الذي يقول ان إسرائيل لا تملك تقنية صناعة الرؤوس النووية، وقد كتب هويدي هذا الكلام في جريدة الأهرام في الثالث من أبريل عام 2001 تحت عنوان «القدرة النووية الإسرائيلية.. الحقيقة والوهم» وأيضاً مقال آخر بتاريخ الثاني من يناير عام 2007.

إسرائيل بمساحتها الجغرافية المحدودة والتي يعيش فيها أكثر من مليون فلسطيني كل منهم يشكل ما يشبه قنبلة موقوتة معرضة للانفجار في أي لحظة وأي مكان لا يتصور أن تملك أماكن على أراضيها لتخزين هذا الكم من الرؤوس النووية.

كما أن مصالح حليفتها الكبرى واشنطن في المنطقة لا تسمح بذلك، وفي حرب يوليو 2006 انهالت صواريخ حزب الله على حيفا التي يوجد فيها وحدها ثلاثة مواقع نووية، حسب المصادر، هي مفاعل تيخونا والقسمان 20 و 48، ولم نسمع وقتها عن أي تهديد لمنشآت نووية في حين سمعنا عن تهديدات لمصنع للكيماويات في حيفا.

الأرجح أنها سياسة الردع بالظن التي تستخدمها إسرائيل مع العرب على مدى العقود الماضية لإخضاعهم وتخويفهم من قوتها الوهمية.

elmoghazy@hotmail.com