تقرير رفع المعنويات ـ د. محمد سلمان العبودي

تقرير رفع المعنويات

«بل هو بالأحرى تقرير نفسي كاذب»، هذا ما يمكن أن نطلقه على تقرير القاضي الإسرائيلي إلياهو فينوغراد الذي أعد تقريره (500 صفحة) حول أخطاء العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006 وخاصة فيما يتعلق بالهجوم البري الذي كلف إسرائيل غاليا وفشل الجيش الإسرائيلي أمام المقاومة اللبنانية، والذي توقع الكثيرون أن يطيح هذا التقرير برأس إيهود أولمرت وأتباعه، لكنه جاء صدمه كبيرة خالفت كل التوقعات.

بالطبع، لم تعد تشكل الشفافية والصراحة سمة العصر الذي نعيش فيه، سواء في أكثر الدول حرية وديمقراطية (حيث اتهمت منظمة هيومان رايتس ووتش مؤخرا دولا غربية أوروبية ديمقراطية بالتستر على أنظمة دكتاتورية) أو أسوأها ديكتاتورية. وهذا التقرير يضيف سوءا آخر إلى سمعة إسرائيل التي اختلفت في عهد أولمرت عن سابقيه من ساسة إسرائيل.

والصورة التي رسمتها إسرائيل عن نفسها في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي قد تدحرجت مع أحداث غزة الأخيرة إلى الحضيض، حيث ظهر الإسرائيليون ورغم سيطرتهم العالمية على وسائل الإعلام (مع العلم بأن كثيراً من شعوب العالم لا تفرق بين دولة إسرائيل والإسرائيليين واليهود والصهاينة) على أنهم شعب متوحش ويفتقر إلى التفاهم والإنسانية، على عكس ما صوروا أنفسهم به سابقا على أنهم مجموعة من البشر الطيبين المضطهدين على مر التاريخ.

وبالفعل فقد الإسرائيليون مصداقيتهم مع مرور الزمن وتحول بكاؤهم في الماضي إلى صراخ لا يجدي. والهالة التي كانت تحيط باليهودي انقشعت، وأصبح اليهودي ذلك البعبع الذي يخشى العالم بأسره من سيطرته وبطشه ويحاول استرضائه. فكل من يتجرأ بالإساءة إلى أي يهودي في أي مكان من العالم حتى ولو كان مجرد كلام سوف يتهم مباشرة بمعاداة السامية وسوف يلاقي مصيره. وهذا ما لم يحدث مع أي شعب آخر في التاريخ.

بعض الأخوة العرب في الماضي كان يضرب المثل بالحرية والشفافية التي تمارسها إسرائيل والتي أوصلتهم إلى ما هم عليه الآن من قوة وسطوة. واليوم كل من كان مغرما في السابق بتلك السياسة أدار وجهه لجهة أخرى.

وهذا التقرير يأتي ليؤكد على ما ذكرنا. وأتصور لو أن غولدا مائيير على سبيل المثال هي التي منيت بالهزيمة التي تلقاها أولمرت في حرب لبنان الأخيرة لقتلت نفسها أو لماتت غما.

وقد أكدت الوقائع بأن إسرائيل منذ تأسيس كيانها في عام 1948 لم تلحق بها هزيمة عسكرية ونفسيه وإعلامية كتلك التي منيت بها في عدوانها غير الأخلاقي على لبنان عام 2006، في حرب لم تستمر لأكثر من 30 يوما، وفي مواجهة مجموعة من المقاومين (وليس جيوش دول كما حدث في حرب يونيو 1967 وأكتوبر 1973) لا يحملون سوى أسلحة منتهية الصلاحية في مواجهة أعتى الأسلحة وأشدها تعقيدا.

هذا التقرير بالطبع لم يتم وضعه وتحريره وإعداده من فراغ. ويبدو أن هناك ضغوطا وسياسات وأوامر وتفسيرات خارجية وداخلية قامت بصياغته. والدواعي كثيرة.

أولا، لو اعترف هذا التقرير بما كان يخشاه إيهود أولمرت وبما كان ينتظره العرب وأعداؤها بفارغ الصبر لأصبحت كارثة. فهذا يعني أن على أولمرت أن يستقيل هو وحكومته، وهذه الاستقالة تعني الاعتراف علنا بانتصار حسن نصر الله وحزب الله والمقاومة ومن يدعمهم.

ثانيا، لو أقر التقرير بفشل أولمرت وحكومته وجيشه فسوف يكون له أثر غير مرغوب فيه على مجرى الأمور في لبنان الذي تحاول الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا علنا فرض وصايتهما عليها.

لأن سقوط حكومة أولمرت، من شأنه أن يضعف من موقف الموالاة في لبنان التي اعتمدت على اتهام المعارضة وحزب الله بتوريط لبنان في حرب خاسرة، وقد يؤدي بها ذلك إلى الرضوخ لمطالب المعارضة. وهذا يعني أن موقف سوريا وإيران سوف يتعزز في المنطقة، في الوقت الذي تحاول العديد من دول الغرب الضغط عليهما للاستسلام لخططها هناك.

ثالثا، في حالة سقوط أولمرت لن يوجد فعليا بديل أقوى لرئيس حكومة هو في الأصل ضعيف جدا. أي أن إسرائيل قد تمر بمنعطف لا يحسدها عليها أحد. وسوف تكون عرضة لقرصنة أو ضربة من نوع آخر.

رابعا، لن يكون بإمكان آي رئيس حكومة إسرائيلي آخر بعد الآن أن يتجرأ على شن حرب أخرى على لبنان أو سوريا أو إيران. وهذا سوف يعني لأعداء إسرائيل أن تصبح في موقف وموقع آمن على الأقل لمدة عشر سنوات قادمة.

خامسا، إن إسرائيل لم تتعود الهزيمة أو الشعور بالهزيمة في عيون الرأي العام العالمي. وهذا التقرير لو جاء كذلك، لشكل ضربة لسمعتها العسكرية، خاصة وأنها تعتبر من أكبر الدول تصديرا للسلاح في العالم.

أي أن اقتصاد إسرائيل الذي يعتمد بالدرجة الأولى على تصدير السلاح سوف يترنح زيادة على ما هو عليه بعد عدوانها على لبنان. وتُعد الصين والهند وتركيا والدول الأوروبية من أكثر المستوردين للأسلحة الإسرائيلية والتي تصل إلى مليارات الدولارات سنويا.

سادسا: إن مجرد استقالة أولمرت نتيجة لهذا التقرير سوف تعيد الإسرائيليين إلى حالة الانشقاق التي مروا بها بعد نهاية العدوان على لبنان بين مؤيد ومحبط ومعارض.

وهذا جل ما حاول التقرير تفاديه. فالإسرائيليون لا يرغبون في أن يصبحوا في موقف الفلسطينيين اليوم من الانشقاقات المختلفة التي أدت بهم إلى الضعف والتشتت والبهدلة. فالشعب اليهودي متميز حتى الآن بالترابط في مواجهتنا والذي نفتقده نحن في مواجهتهم. وقد أراد هذا التقرير أن يقول للعالم بأن اليهود متفقون حتى في اختلافاتهم، وأنه ما من أحد يستطيع النيل من ترابطهم حتى ولو على حساب الحقيقة المرة.

لكن شيء من هذا قد لا يحصل اليوم في إسرائيل حيث تشتد المنافسات بين الأقطاب المختلفة، وحيث أصبح هم زعماء الأحزاب الوصول إلى الحكم والبقاء فيه لأطول فترة ممكنة والثراء من وراء ذلك أكثر منه الحفاظ على أمن إسرائيل كما كان يحدث في السابق. وأن العديدين منهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر صدور تقرير فينوغراد لكي يتخذوا الخطوة التالية، وعلى رأسهم رئيس حزب العمل إيهود باراك.

أيا كان السبب، فالإسرائيليون يعرفون الحقيقة أكثر من غيرهم، وبأنهم اليوم في مواجهة منعطف تاريخي يتعلق بوجودهم.

فهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه بالاعتراف بأخطائهم والوضوح في التعامل مع مشاكلهم. تقرير فينوغراد يغلق الباب أمام تلك السياسة، ويدخل إسرائيل في معسكر الدول التي تتصف بالديكتاتورية وإخفاء الحقائق عن شعوبها إضافة إلى العنصرية وعدم المصداقية واعتبار الشعب اليهودي (المختار) فوق العدالة والقانون الدولي.

وما يؤكد ذلك ما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية قبل أيام بشأن تقرير فينوغراد حول العدوان على لبنان بأنه «مملوء بالعيوب» ولم يعالج المسائل الأساسية، ومن بينها جرائم الحرب التي ارتكبها الجنود «الإسرائيليون» بحق المدنيين اللبنانيين، وعدم تفريق استراتيجيات الجيش الإسرائيلي بين المدنيين والمقاتلين، وعدم إشارة التقرير إلى من يكمن وراء اتخاذ مثل تلك ا لقرارات العسكرية.

وقد أشار تقرير منظمة العفو الدولية بأن «عمليات القتل العشوائية للعديد من المدنيين اللبنانيين الذين لم يكن لهم دور في الأعمال العدائية، إضافة إلى التدمير المقصود للممتلكات والبنى التحتية المدنية على نطاق واسع، لم تحظ سوى باهتمام رمزي من اللجن»®.

والحقيقة أن هذا ليس بالأمر الجديد على قادة إسرائيل، ويعيدنا إلى المعاملة الشرسة واللا إنسانية التي تعرض لها الجنود المصريون ممن وقعوا أسرى في يد الجيش الإسرائيلي أثناء حرب 56 و67 والذين تم التخلص منهم بإعدامهم ودفنهم في مقابر جماعية تعد بالمئات (منها على سبيل المثال المقبرة الجماعية في مدينة أم الرشراش المصرية التي عثر فيها على أكثر من 350 من حرس الحدود المصريين قتلوا على يد الجيش الإسرائيلي بقيادة اسحق رابين)، بما يخالف صراحة جميع القوانين الدولية الخاصة بمعاملة الأسرى.

كما لا ينكر الإسرائيليون أنفسهم أن كبار قادتهم السياسيين التاريخيين الذين حكموا إسرائيل فيما بعد من أمثال بنيامين بن آليعازر واسحق رابين وآرييل شارون ومناحيم بيغن قد ارتكبوا هم أنفسهم جرائم حرب أكثر بشاعة وهي أحداث موثقة بالتواريخ والأرقام، وأن سجون إسرائيل تعج منذ عقود عدة بعشرات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين الأبرياء ومن بينهم أطفال ونساء وشيوخ دون محاكمة... وهلم جرا.

في النهاية، فإن تقرير فينوغراد إذا أراد أن يكون نزيها وموضوعيا تجاه إيهود إولمرت فعليه أيضا أن يكون كذلك في مواجهة وثائق الحروب الأخرى التي شنتها إسرائيل. أو أن اليهود هم فقط من يملك الحق في المطالبة بحقوقهم التاريخية في التعويض عن ضحاياهم على يد هتلر والنازية؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات