الأحداث التي أعقبت قرار الحكومة الإسرائيلية بفرض حصار محكم على سكان قطاع غزة، أدى إلى وقف تدفق كل وسائل الحياة من مواد تموينية ومحروقات وأدوية، كشفت مدى خطورة الانقسام الفلسطيني الذي نجم عن الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس في الرابع عشر من يونيو العام الماضي، وأدى إلى سيطرتها بالكامل على قطاع غزة.

إسرائيل التي استبقت قرار الحصار وهيأت له بقرار خطير يعتبر قطاع غزة كياناً معادياً بذريعة محاربة ما يسمى ب«الإرهاب» الفلسطيني ولوقف إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية القريبة من حدود القطاع، ما كانت لتضع نفسها في محل الانتقاد الدولي بسبب قرار الحصار كشكل من أشكال العقوبات الجماعية، لولا أن ثمة هدفا أهم وأخطر من مجرد تعريض حياة مليون ونصف المليون للخطر.

والأرجح أنها أي إسرائيل كانت تتوقع ولا تمانع في إحداث خرق ما لجدار الحصار، يؤدي إلى تنفيس حالة الاختناق ولكن ليس من جهة حدودها مع القطاع وهو ما وقع فعلياً، حين اندفع عشرات آلاف الفلسطينيين لتجاوز العوائق الحدودية مع مصر، للتزود بكل ما وقع تحت أيديهم من بضائع.

وعلى الرغم من تظاهر إسرائيل برفضها لخرق الحصار وما اعتبرته تواطأً مصرياً، إلا أنها وقفت تتفرج على ما يجري، ولم تتدخل مباشرةً لوقف تدفق الناس من وإلى قطاع غزة، بل إنها أوقفت عملياتها العسكرية ضد القطاع، باستثناء إقدامها على قصف سيارتين عند الحدود مع مصر، تشتبه بأنهما تقومان بتهريب أسلحة.

ترمي إسرائيل إلى استغلال الانقسام الفلسطيني الذي يتعمق يوماً بعد الآخر، والإجماع الدولي، وشبه الإجماع العربي على فرض الحصار على قطاع غزة بذريعة سيطرة حركة حماس عليه، إلى دفع الأمور تدريجياً نحو حل للصراع مع الفلسطينيين، يعيد أوضاعهم مع تعديلات إلى ما كان عليه الحال قبل عام 1967، حين كانت مصر تشرف على قطاع غزة، فيما الضفة كانت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية.

يعود الأمر إلى خطة الفصل أحادي الجانب التي اعتمدها شارون، وكانت البداية بذريعة الأمن، إقامة جدار الفصل العنصري الذي يتلوى كالأفعى داخل أراضي الضفة الغربية، بما يعزل شمالها عن جنوبها، ويعزلها عن القدس، ويحيل مدن الضفة السبع إلى كانتونات معزولة عن بعضها البعض بأكثر من خمسمئة وستين حاجزاً ومعبراً، وأيضاً يعزل تماماً قطاع غزة عن الضفة والقدس.

بعد بناء الجدار الذي يتجاوز طوله سبعمئة كيلو متر، أقدم شارون في شهر اغسطس2005، على اتخاذ قرار تنفيذي بالخروج من قطاع غزة، وتفكيك تسعة عشر مستوطنةً كانت فيها، ونقل المستوطنين إلى الكتل الاستيطانية المقامة في الضفة الغربية.

كانت المرحلة التالية لتنفيذ الخطة تقضي بتطبيقها في الضفة الغربية، غير أن غياب شارون بسبب المرض، عن الساحة السياسية، وفشل الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006، أدى إلى تأجيل تنفيذها في الضفة، لكن التأجيل لم يعن التخلي عن الخطة التي سيجرى تنفيذها لاحقاً تحت مسميات أخرى.

في السابع من أكتوبر العام الماضي، قدم بنيامين ألون زعيم حزب «موليدت» اليميني العنصري (كتلة الوحدة القومية) مبادرة هي أقرب إلى الجهد النظري الذي يتابع الكشف عن تفاصيل وإبعاد خطة الفصل أحادي الجانب، التي لم يعترض عليها لا اليمين ولا ما يسمى باليسار الإسرائيلي،

وتقضي مبادرة ألون بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة ومنح الفلسطينيين فيها الجنسية الأردنية، معتبراً ان مكانتهم وروابطهم تكون لكلتا الدولتين وبحيث يتم بلورة ووضع تفاصيل شكل إدارة المناطق التي يسكنها الفلسطينيون من خلال اتفاق بين حكومتي الأردن وإسرائيل.

يقول ألون «إن إسرائيل لم تأخذ من الفلسطينيين دولتهم فهي لم تكن موجودةً وإنما أخذت بيوتهم وكرامتهم، وبالتالي فإن هذه المبادرة تعيد إليهم كرامتهم وبيوتهم، وتنقذهم من المعاناة والفقر» ولذلك فإنه يدعو إلى حل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي فشلت على حد زعمه في توطينهم في أماكن تواجدهم،

لذلك جاء تعليق غابي اشكنازي نائب وزير الدفاع الإسرائيلي على تدفق الفلسطينيين عبر الحدود بين قطاع غزة ومصر، جاء على نحو يؤكد الرغبة الإسرائيلية في دفع قطاع غزة خارج الإطار السياسي والجغرافي الفلسطيني.

اشكنازي قال إنه في حال استمرار الوضع على حدود غزة مع مصر على ما هو عليه، فإن إسرائيل ستوقف تماماً كل روابطها ومسؤولياتها تجاه قطاع غزة، ولتتحمل مصر المسؤولية عن إدارة حياة سكان القطاع.

السلوك الإسرائيلي الذي بدا واضحاً لدى مصر، وأكثر من واضح لدى السلطة الفلسطينية وفشل مجلس الأمن الدولي بسبب الفيتو الأميركي في اتخاذ قرار بإدانة سياسة العقوبات الجماعية التي تتبعها إسرائيل، ورفع الحصار عن قطاع غزة،

وخشية مصر أن تؤدي تداعيات الأحداث إلى خدمة الأهداف الإسرائيلية بسلخ القطاع تماماً عن الضفة، كل ذلك دفع لدعوة وزراء الخارجية العرب لعقد جلسة طارئة في القاهرة في السابع والعشرين من الشهر الماضي.

وبالإضافة إلى القرارات التي اتخذها الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية، وأكدت مسؤولية إسرائيل الكاملة كدولة احتلال على قطاع غزة، وعلى التمسك بالثوابت العربية الفلسطينية، ودعم السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ذلك دعا الرئيس حسني مبارك كلاً من الرئيس محمود عباس وخالد مشعل للحوار في القاهرة.

وفي حين أكدت حركتا فتح وحماس مواقفهما المعروفة إزاء إمكانية الدخول في حوار يستهدف إنهاء الانقسام، وإعادة بناء الوحدة الفلسطينية، مما يستبعد إمكانية الدخول في هذا المعترك الصعب الذي لم تتوفر له عوامل الدفع والنجاح حتى الآن،

فإن لقاءات القاهرة مع كل وفد على حدة انصبت على معالجة موضوع معبر رفح والمعابر الأخرى مع إسرائيل كعنوان هام يمكن للاتفاق بشأنه أن يضع عقبة أمام الأهداف الإسرائيلية الخبيثة.

قبل وصول وفدي فتح وحماس إلى القاهرة كانت المواقف معروفة إذ أعلنت حماس رفضها العودة والالتزام باتفاقية المعابر التي تم توقيعها في نهاية عام 2005، وألحت على أن قضية معبر رفح تتصل فقط بالفلسطينيين والمصريين.

على الجانب الآخر، تمسك الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الدكتور سلام فياض بالمبادرة التي وافقت عليها الرباعية الدولية، وتقضي بأن تتسلم السلطة المسؤولية عن إدارة المعابر بدون تدخل من حركة حماس.

وفي إشارة إلى دعم موقف السلطة، أعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لإعادة تكليف فريق المراقبين الأوروبيين بالعمل على المعابر، وفقاً للاتفاق السابق، فيما أعلنت اسرائيل أنها لا تمانع في تسلم السلطة المسؤولية عن إدارة معبر رفح، ربما لمعرفتها بموقف حماس ورغبتها في إلقاء مسؤولية الفشل عليها.

الموقف المصري وهو أساسي في كل المعادلة أعلنه وزير الخارجية أحمد أبو الغيط قبل ثلاثة أيام من وصول الوفدين الفلسطينيين إلى القاهرة، ويشير إلى رغبة مصر ودعمها لمبادرة تسلم السلطة الفلسطينية المسؤولية عن معبر رفح.

هذا الإجماع الدولي العربي والإقليمي حول تسليم السلطة المسؤولية عن إدارة معبر رفح وإن كان يحشر حركة حماس في الزاوية، إلا أنه يتطلب التداول مع الحركة التي تسيطر على قطاع غزة، وأخذ موافقتها بعين الاعتبار، وإلا أدى ذلك إلى فشل هذه المبادرة، وإعادة خلط الأوراق مجدداً، وهو ما تتابعه القاهرة وتسعى لمعالجته.

ومن الواضح أن طبيعة الحل الذي سيتم بالنسبة لمعبر رفح، سيقدم طبيعة ووجهة السيناريوهات اللاحقة، فإما أن يكون التوافق حول فتحه بادرة لتفكيك الحصار وخطوة نحو معالجة الانقسام الفلسطيني، وإما أن الفشل يؤدي إلى إبقاء الحصار، والانقسام، وفتح الطريق أمام تقدم المخططات والأهداف الإسرائيلية.

كاتب فلسطيني