غيتس .. الرأسمالية الخلاقة

غيتس .. الرأسمالية الخلاقة

«ينبغي علينا أن نجد الوسائل التي تجعل النظام الرأسمالي قادراً على خدمة الفقراء بقدر ما هو قادر على خدمة الأثرياء، هذه الفكرة أود أن أطلق عليها مسمى الرأسمالية الخلاقة». بهذه الكلمات تميز بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت العملاقة في كلمته أمام منتدى دافوس الاقتصادي (سويسرا) في الرابع والعشرين من يناير المنصرم عن غيره من المتحدثين.

ففي هذه الكلمات، ذات الطابع الإنساني المتميز، ولا أقول الواقعي، دعوة جديدة من نوعها تضع على عاتق الشركات الكبيرة مهمة المساهمة في القضاء على الفقر في العالم، فهنالك أكثر من بليون شخص في عالمنا يعيش على دخل يومي لا يزيد على دولار واحد.

كان الحضور في المنتدى كثيفاً، إلا أن هذه الكلمات لم تجد صدى مقبولاً لدى الكثيرين من رجال الأعمال.

إعلان غيتس هذا جاء كمقدمة لعزمه على التفرغ التام للعمل في القضايا الإنسانية، فقد أعلن أنه سيتحول في يوليو المقبل إلى العمل غير المتفرغ في شركة مايكروسوفت.

يعتقد غيتس بأنه يمكن إعادة صياغة المبدأ الأساسي الذي يحرك النظام الرأسمالي - الربح الشخصي ـ بطريقة تتيح الربح للمُصنع والمُستهلك معاً، فالرأسمالية الخلاقة، حسب ما يرى، تستطيع أن تحقق الربح لطرفي العملية.

وقد طلب من جميع الشركات المساهمة في المنتدى العمل خلال ما تبقى من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على إيجاد السبل لتحقيق الأرباح من جهة والعمل على تأسيس تنمية مستدامة لتقليص حجم الفقر في العالم من جهة أخرى.

لقد قدم غيتس شخصياً معونات إلى الدول الفقيرة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات من خلال المنظمة التي تحمل اسمه واسم زوجته، منظمة بيل ـ ميلاندا، إلا أن النموذج الذي بُنيت عليه هذه المنظمة هو نموذج منح الهبات لتحسين الوضع الصحي والتعليمي في البلدان الفقيرة وليس نموذج خلق المؤسسات التي تحقق التنمية في هذه البلدان وتحقق الأرباح في الوقت نفسه.

يرى غيتس بأن القيام بتزويد الدول الفقيرة بالأدوية والتقنيات الضرورية لتنقية المياه سوف لن يكون مربحاً قدر توظيف هذه الأموال في مجال واعد آخر، إلا أن ذلك يحقق التميز وهو على أية حال ربح في نهاية المطاف.

ويرى غيتس بأن الإحباط، في بعض الحالات، الذي يواجهه السوق في الدول النامية ليس بسبب عدم الحاجة لبضاعة ما أو بسبب عدم توافر الأموال أو ضعف القوة الشرائية، وإنما بسبب كون الشركات لم تصرف ما يلزم من وقت وجهد في دراسة الحاجات لهذه الأسواق.لا شك أن الفكرة الجميلة التي طرحها غيتس هي تعبير عن حلم رومانسي لإصلاح العالم يراود مخيلة هذا الرجل المبدع، وهو حلم راود حملة رايات الأديان والإصلاحات الاجتماعية على مر العصور.

ولكن ما هي الفرصة المتاحة لصيرورة هذه الفكرة الجميلة إلى واقع يفرض نفسه خاصة ونحن نرى بأن عجلة التطور في العالم لا تسير وفق هذه القيم، فقد رصدت جهات دولية عديدة زيادة الفقر في العالم مع انتشار ظاهرة العولمة، كما أن السياسة الدولية التي تحرك اقتصادات العالم تخضع لضوابط أخرى لا تتداخل معها النزعات الإنسانية.

ولكن لنتجاوز ذلك إلى البحث عن الصعوبات التي تواجه المشروع الذي نحن بصدده، إن دفع الشركات لتقديم الهبات وحثها على الاستثمار في اقتصادات صغيرة وضعيفة أو تكليف خبرائها لتخصيص وقتهم وجهدهم في إعداد الدراسات الخاصة بتقديم الدعم للدول الفقيرة ومتابعة ذلك في مناطق قد لا يكون لهذه الشركات أية مشاريع فيها، يصطدم بعقبات كأداء.

وهي برامج هذه الشركات ونظمها وأهدافها وتقاليد العمل فيها وقدراتها على التنافس مع الشركات الأخرى ومصالح حملة أسهمها الذين قد يفضلون في حالة كهذه تقديم الهبات باسمهم وليس باسم الشركة إذ أن تقاليد وثقافة المجتمع الرأسمالي تعزز دور الفرد ولا تُميّعه في دور الجماعة.

كما أن دعوة غيتس إلى الشركات للتفكير حول مدى الفائدة التي يجنيها المجتمع من منتجاتها هي من غير شك دعوة سياسية، فكم هو نسبة رأس المال الموظف في إنتاج سلع غير مفيدة للمجتمع، يكفي الإطلاع على ميزانيات الشركات التي تنتج السلاح في العالم.

إلتفاتة غيتس هذه قد لا يكون لها أثر ملحوظ في تحسين أوضاع البلدان الفقيرة، وذلك لأنها لا تتعامل مع الأزمة العالمية بواقعية، فالمشكلة الأساسية هي أن العولمة قد خلقت أذرعاً جديدة للشركات الكبيرة تمكنها من إلحاق المزيد من الفقر بالبلدان الفقيرة.

فلا خلاف في أن تكنولوجيا المعلومات، وغيتس أحد أبرز صناعها، هي التي فتحت الأبواب الواسعة نحو عصر العولمة وهو عصر أصبحت الحرب فيه على البيئة على أشدها فقد سهلت العولمة انتقال رؤوس الأموال وأساليب العمل وانسيابها بين الدول وتحقق نتيجة لذلك أقصى درجات الاستنزاف للموارد الطبيعية التي كان من نتائجها إلحاق المزيد من الفقر بالبلدان الفقيرة التي لا تمتلك غير هذه الموارد.

ويكفي أن نأتي بمثل واحد من عدد لا يحصى من الأمثلة وهو أن الزراعة نفسها في البلدان الفقيرة، وهي عماد اقتصادها، قد أصبحت أسيرة بأيدي الشركات الغربية الكبيرة، فالفلاح لم يعد قادراً على إنتاج بذور محاصيله الزراعية.

كما كان الحال في الماضي، فقد أصبحت هذه البذور مهجنة بفعل الهندسة الوراثية وغير قادرة على الإنبات مما يحتم على الفلاح شراءها في كل موسم زراعي من هذه الشركات وبأسعار باهظة مما أوجد وضعاً مزرياً في العديد من البقع الخضراء في العالم التي تحولت إلى أراض قاحلة وانتشرت ظاهرة إنتحار الفلاحين فيها هرباً من حياة لم يعودوا قادرين على الاستمرار فيها.

ومع أن غيتس واحداً من أنجح رجال الأعمال في العالم إلا أنه، بكل تأكيد، ليس المنظر الأفضل للنظام الرأسمالي العالمي، فمن يتابع سياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يرى بوضوح بأن آراءه لا مكان لها في أجندة هاتين المؤسستين على الرغم من أنهما قد تأسستا لمساعدة الدول النامية. ولعل من المناسب أن نذكر بأن أفضل من عبر عن فلسفة النظام الرأسمالي هو ميلتون فريدمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1976.

ففي مقال مهم نشرته صحيفة نيويورك تايمز في سبعينات القرن المنصرم ذكر «أن مسؤولية رجال الأعمال نحو المجتمع هي زيادة أرباحهم»، ثم عاد في عام 2005 ليؤكد ما ذهب إليه بالقول بأن «عقيدة المسؤولية الاجتماعية» هي مفهوم مجتمعي يحمله الناشطون السياسيون وليس أصحاب المصالح في عالم الأعمال.

كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات