يختلف مفهوم السعادة عند الشعوب باختلاف الثقافات والمعتقدات والأنظمة الاقتصادية السائدة وغيرها من العوامل التي تشكل المجتمعات وتتحكم في مسارها التاريخي ومراحل تطورها، ويرتبط مفهوم السعادة لدى الأفراد بالعلاقة بين الوسائل والحاجات أوالغايات، فكلما تساوت الوسائل مع الحاجات تتولد القناعة عند الفرد ويشعر بالسعادة، والوسائل هنا تعني الإمكانيات المتاحة، كما تعنى الحاجات أيضا المتاح منها في المجتمع أو خارج المجتمع ويمكن الوصول إليه بتوافر الوسائل.

المجتمعات الشرقية تختلف إلى حد كبير عن المجتمعات الغربية في التعامل مع مفهوم السعادة، والسبب في ذلك التطور الحضاري الكبير في الغرب والذي زاد من حاجات الأفراد وفتح الآفاق أمام رغباتهم وطموحاتهم بشكل كبير أصبحت معه الوسائل والإمكانيات أضعف من أن تحقق للفرد ما يطمح إليه أو ما يحتاجه.

ولهذا نجد الفرد في الغرب يجتهد بقدر الإمكان ولا يضيع الوقت ويبذل أقصى جهده من أجل تحقيق الحاجات حتى يستطيع أن يكون سعيدا، ولضعف النزعات الروحانية وتأثير الدين نجد الحاجات والغايات عند الإنسان الغربي يغلب عليها الطابع المادي في معظمها، ومادية الحاجات تدفع الفرد إلى البحث بجدية عن المال وإلى بذل المزيد من الجهد والعمل من أجل الحصول على المزيد من المال.

وعادة ما يدفع هذا الجهد الكبير المربح الإنسان إلى التطلع لحاجات أكبر وأكثر، فالحاجات والغايات في حد ذاتها بلا حدود، ويظل الفرد يعمل ويكد ويجمع المال الكثير حتى يمتلك الثروة التي تزيد عن حاجاته المتاحة، وهنا يتحول المال نفسه إلى حاجة وهدف.

حيث تصبح سعادة الإنسان في جمع المال والسعي لمضاعفته، وقد يستطيع الفرد بالمال الكثير والثروة الكبيرة أن يحقق كل حاجاته المادية لكنه قد لا يصل للسعادة الحقيقية لأنه أصبح أسير حاجة أو شهوة أخرى لا تكفي كافة الوسائل لتحقيقها وهى شهوة جمع المال ومضاعفته.

وتظهر مأساة هذه الحالة من الثراء عندما يتعرض الثري لخسارة كبيرة تطيح بجزء كبير من ثروته حتى لو أبقت له من الإمكانيات والوسائل ما يكفل له حياة كريمة يوصف فيها بالغني فإن هذا لا يخفف من صدمته وإصابته بوعكات صحية حادة قد تصل لحد الانهيار أو الموت.

وهذا الأمر في رأي علماء النفس ينتج عن حالة زيادة الوسائل والإمكانيات عن الحاجات الحقيقية للإنسان، الأمر الذي ينتج معه صعوبة وربما استحالة تحقق السعادة، والبعض الآخر يصفها بالانطلاق في سباق بلا نقطة نهاية وبدون القدرة على التوقف أو حتى العودة لنقطة البداية.

أما في المجتمعات الشرقية فقد تنافست الفلسفة مع الدين في تحديد مفاهيم ومعايير السعادة، إلا أنهما في تنافسهما أوجدا إلى حد ما نوعا من التوازن النفسي والاجتماعي لدى الأفراد، حيث نجد الإنسان الشرقي على خلاف الغربي يخضع حاجاته لإمكانياته ووسائله.

فإذا كان فقيرا رضي بالقليل واقتنع بأن الأمر طبيعي وبأن فقره هو قدره ونصيبه في الحياة، ولا يقلقه أو يزعجه هذا الأمر كثيرا لأن الدين علمه أن السعادة الحقيقية ليست في الحياة بل في الآخرة بعد الموت.

وهذه فكرة مريحة جدا ومقنعة للمتدينين، وجاءت الفلسفة لتنافس الدين في هذا الأمر فذهبت تبحث للفرد عن السعادة في الدنيا بعيدا عن المال، ومن هنا جاءت الفلسفات الدينية الأرضية مثل البوذية وغيرها التي خلقت للفرد عالما سعيدا مرتبطا بالتقشف والجوع وقلة الحاجات.

ثم جاءت الفلسفة الاشتراكية لتحارب على جبهتين، الأولى جبهة الدين والحياة ما بعد الموت والثانية جبهة الرأسمالية ومجتمع الثراء، فذهبت الاشتراكية تتحدى الدين بإنكاره واعتباره أوهاما مسكنة وتعد الإنسان بالسعادة في الحياة الدنيا.

وذهبت تتحدى الرأسمالية وتعد بالسعادة للجميع عن طريق المساواة وإلغاء الفوارق الطبقية، لكن الاشتراكية فشلت في تحقيق الثراء للجميع ولم تحقق سوى المساواة في الفقر ،وفشلت أمام الدين حيث لم يقتنع الناس بالحياة في ظل معاناة دائمة من الفقر، وفضلوا عليها الدين الذي يعد بالسعادة حتى ولو كانت بعد الموت في الآخرة.

الفلسفات تحتاج لإثبات السعادة في الدنيا، لكنها تفشل في التوفيق بين الغايات والوسائل المتاحة، ولهذا تسقط وتذهب مع الماضي، أما الأديان التي لا تقحم نفسها في معادلة الغايات والوسائل فتستمر بلا نهاية لأنها غير مطلوب منها في الدنيا إثبات ما تعد به من سعادة في الآخرة ولهذا يصعب فشلها وسقوطها.

elmoghazy@hotmail.com