لعل انعقاد المجلس الوزاري لمجموعة 5=5 التي تضم دول الاتحاد المغاربى إضافة إلى دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط وهى : أسبانيا وفرنسا والبرتغال ومالطة وايطاليا، في الرباط الأسبوع الماضي مناسبة جديدة لكي تفكر الدول المغاربية في إحياء اتحادها بعد توقف دام ما يقرب من 15 سنة على خلفية الأزمة المغربية الجزائرية بسبب الموقف من الصحراء الغربية.
نقول إنها مناسبة جيدة لان هناك رؤى ترى أن الجمود الذي يمر به الاتحاد المغاربى حاليا لايمكن اختراقه إلا من مبادرات خارجية، بعدما فشلت المبادرات الداخلية التي قامت بها دول أعضاء في الاتحاد وعلى الأخص كل من تونس وليبيا اللتين بذلتا جهودا مضنية من اجل إحياء هذا الاتحاد المجمد.
وإذا قلنا مبادرات خارجية فان الطرف الأوروبي هو المؤهل لطرح هذة المبادرات ويرجع ذلك لسببين الأول أن هذا الطرف له مصلحة مباشرة في إحياء الاتحاد المغاربى لأنه سوف يؤدى بالتبعية إلى المضي قدما في كافة المشروعات المشتركة بين جنوب البحر المتوسط وشماله وعلى رأسها مشروع الرئيس ألفرنسي نيقولا ساركوزى حول الاتحاد المتوسطي.
أما السبب الثاني فهو أن الطرف الأوروبي ولأسباب عديدة هو الذي يستطيع أن يقدم رؤية جدية حول إحياء الاتحاد المغاربي لأنه يستوعب بصورة جيدة تعقيدات منطقة شمال أفريقيا على عكس الولايات المتحدة التي تتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءا من كل وهو النظام الكوني الذي تسعى إليه، أما أوروبا فتتعامل معها باعتبارها امتداد حضاري وثقافي لها.
وإذا كانت الأزمات الأمنية التي تواجهها الدول الأعضاء في المغرب العربي تفرض عليها أن تلجا إلى إحياء اتحادها المجمد لان ذلك من شانه أن يعطى دفعة للتعاون الأمني المطلوب من اجل التصدي لما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فان ذلك لم يفلح في إقناع الدول المغاربية بضرورة إحياء اتحادها وتعاملت مع خطر« القاعدة » باعتباره فردى وليس جماعي، فان التعاون الأوروبي المغربي قد يكون هو المفتاح المطلوب للتعامل مع الأزمات الكبيرة التي تعترض إحياء الاتحاد.
وعلى رأسها بالطبع الأزمة في العلاقات الجزائرية المغربية وهى أزمة مازالت الدولتان تتعاطيان معها بنفس أسلوب التعاطي مع أزمات الحرب الباردة التي انتهت في كل مناطق العلم ماعدا في المغرب العربي فقط وكانت النهاية في أوائل تسعينات القرن الماضي.
والحديث عن الدور الأوروبي في دعم أو إعادة التضامن المغاربي أمر واقعي ذلك أن دول الاتحاد المغاربى جميعا تسعى إلى دعم علاقاتها بأوروبا، فتونس والمغرب سارعتا لإبرام اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي دون أية محاولة تنسيق مع الجزائر للضغط على أوروبا لعقد اتفاقات متوازنة.
وهذا التسرع جعلاهما يوقعان اتفاقات تخدم الطرف الأوروبي على حساب مصالحهما حسبما يرى مراقبون عديدون، وفي عام 1999 عرضت تونس والمغرب على الجزائر التفكير في تنسيق مغاربي لمواجهة الاتحاد الأوروبي باسم التضامن المغاربي، لكن الجزائر لم تعر أهمية لهذه الدعوة معتبرة أن البلدين ضربا بعرض الحائط هذا التضامن الذي يتحدثان عنه وإلا لما وقعا اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي دون مراعاة مصالح الجزائر.
وبالتالي فليتحملا عواقب سلوكهما، وسارت الجزائر على نفس النمط الثنائي ووقعت هي الأخرى اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي. وهكذا يتفاوض المغاربة فرادى مع أوروبا بينما نجحت دول السوق المشتركة لأميركا الجنوبية في التحدث بصوت واحد مع أوروبا.
واذا كان الوضع المغاربي الحالي لا يبشر بتعاون لمواجهة أوروبا مواجهة الند للند، ذلك أن عقلية التحرك المنفرد تبقى هي التي توجه سلوك الأعضاء فيما يتعلق بالملفات الخارجية وعلى رأسها التعاون مع أوروبا خاصة وأن التنافس من أجل الحصول على أكبر قدر من المساعدات الأوروبية يهيمن على سياسات بعض الدول المغاربية.
وعليه فرغم تأكيد النخب الحاكمة المغاربية على أن عالم اليوم لا يرحم الكيانات الصغيرة التي تعمل بمفردها وعلى أهمية بناء صرح المغرب العربي، فإن سلوكها يبقى بعيداً عن التوجه نحو التكتل الاقتصادي الذي يطبع العالم وعن التوجه نحو التكامل المغاربي الذي يعد هو المقدمة الضرورية لاى تكامل او تعاون حقيقي في المجال الدولي سواء مع أوروبا أم مع غيرها.
من مجمل ذلك نستطيع القول أن إحياء الاتحاد المغاربى قد يكون سببا رئيسيا في تعظيم مكاسب الدول المغاربية من اتفاقيات الشراكة مع أوروبا. وهنا قد يقول قائل فما هي مكاسب أوروبا من إحياء الاتحاد اذا كانت ستجعل الدول المغاربية في حالة تفاوض جماعي مع أوروبا ؟
الإجابة سهلة وهى أن إحياء الاتحاد سيفتح المجال أمام اتفاقيات عديدة بين الجانبين لن يمكن إجرائها وتنفيذها من دون إجماع الدول المغاربية عليها بل ويمكن القول أن أوروبا سعت إلى اتفاقيات الشراكة ومشروعات التعاون مع دول المغرب العربي أو مع دول جنوب المتوسط من اجل هذه الاتفاقيات بالأساس لأنها ستحل مشكلات داخلية في البلدان الأوروبية.
ونقصد بهذة الاتفاقات تلك التي من شانها أن تحد من هجرة الشباب المغربي إلى أوروبا وتلك الخاصة بالاتفاقيات الأمنية التي تحول دون انتقال نشاط تنظيم القاعدة إلى دول الاتحاد الاوروبي.
وبالطبع هناك مسئولون أوروبيون يدركون حاجة أوروبا لهذا الاتحاد المجمد ويمكن لنا ان نشير في هذا الصدد إلى وزير الخارجية الاسباني ميغيل أنخيل موراتينوس الذي اعتبر أن الاندماج المغاربي بات ضروريا وملحا.
وقال موراتينوس خلال الدورة السادسة لوزراء خارجية دول «خمسة زائد خمسة» المتوسطية السابق الإشارة إليه إن قيام اتحاد مغاربي موحد ضروري وأسبانيا كما الاتحاد الأوروبي يدعوان بما أوتيا من قوة إلى تعزيز الاندماج المغارب.
فهل يفتح هذا الكلام المجال أمام مبادرة أوروبية او أسبانية ام انه كان مجرد لغة خطابية تليق بالموقف فقط ؟ وهل تدرك الدول الأعضاء في الاتحاد المغاربى ضرورة تنشيط وإحياء اتحادهم أم أنهم سينتظروا المبادرات الخارجية ان جاءت؟
كاتب مصري