تكتسب بعض الأسماء هالات من تقدير، وتحظى بسمعة رنانة، تعطيها حجماً أكبر من حجمها الحقيقي، وتصبح موضع إعجاب قد يصل حدّ التقديس في بعض الأحيان، خصوصاً عند من لا يعرفها إلا عن بعد، أما من يعرفها عن قرب، وتسنح له الفرصة للغوص في أعماقها، فإنه يبدأ في رؤية باطنها على نحو أكثر وضوحاً، وهو يتمنى بينه وبين نفسه لو لم يقترب منها إلى الحد الذي أظهر له وجهها الآخر، الحقيقي غالباً.

لو نظرنا إلى الأساس الذي من المفترض أن تقوم عليه الفعاليات الكبرى، مثل الندوات والمؤتمرات العلمية، والمسابقات الثقافية، سنجد أنها يجب أن تقوم على أساس المادة التي ستُقدم خلالها، ومستواها العلمي، وليس بحسب مستوى شهرة الأسماء المشاركة فيها إما لتقديم ورقة في الندوات والمؤتمرات، أو لتحكيم النصوص المشاركة في المسابقات. والأسماء المشاركة ذاتها في هذه الفعاليات ـ أياً كانت ـ المفروض أن يتم اختيارها بناءً على مستواها العلمي، وليس بحسب شهرتها وشعبيتها، فنحن نتحدث عن مؤتمرات علمية، أو مسابقات ثقافية.

ولا نتحدث عن برنامج تلفزيوني متنوع، لأن عامة الناس قد لا يدركون في المرة الأولى أن هؤلاء الأشخاص لا يقدمون شيئاً جديداً أو مفيداً ـ في حين سيدرك النخبة ذلك مباشرة ـ ولكن الجميع من عامة الناس ومن النخبة سيدركون في المرة الثانية أو المرات التي تليها أن الأسماء ذاتها تتكرر، بوصفها نجوماً في سماء هذا المجال، لكنها لا تقدم شيئاً جديداً في كل مرة عما سمعوه منها في المرة الأولى.

مثل هذه المواقف كنا نعيشها عندما كنا ندرس على مقاعد الدراسة الجامعية؛ فكنا عندما نأخذ مادة مع أحد الأساتذة «الكبار» نعجب به أيما إعجاب، ونعقد النية على أن نأخذ عنده أي مادة يطرحها، لأنه استطاع في المرة الأولى أن يجذبنا إلى ما يقوله، من خلال طريقته الخاصة في عرض المادة، وأسلوبه في إيصال المعلومة، وبعضهم كان مستوى لغته يؤدي دوراً كبيراً في جذبنا للإنصات لما يقول وما لا يقول.

لكننا بعد أن نأخذ مع هذا الأستاذ «الكبير» المادة الثانية نندم أشد الندم على ذلك منذ المحاضرات الأولى، لأننا ندرك مباشرة أنه يكرر نفسه، وأنه يعيد الكلام نفسه ـ مع اختلاف المادة ـ بالطريقة نفسها، والأسلوب نفسه، واللغة نفسها، لنكتشف بعد ذلك ان هذا هو كل ما لديه، وأنه لن يقدم لنا أكثر مما سمعناه منه في المادة الأولى. وإذا كان كل إناء بما فيه ينضح، فهذا هو كل ما «في» هذا الأستاذ، ولن نجد عنده أكثر من ذلك مهما انتظرنا.

لقد فهمنا حينها أن كثيراً من الأساتذة «الكبار» لا يسعون لتطوير أنفسهم بمجرد أن يظنوا أنهم قد أصبحوا «كباراً» بالفعل، وهم يعلمون ـ ولكن نظرياً فقط ـ أن هذا الإحساس هو بداية الاتجاه نحو «الصغر»، لأنه يكبح جماح رغبة الإنسان في العلم والاستزادة منه، ويوقفه عند الزمن الذي نال فيه شهادة الدكتوراه، مع أنهم هم الذين يزودوننا ـ نحن الطلبة ـ بهذه النصيحة، ويوصوننا بعدم الإصغاء لصوت الرغبة الداخلية التي تحثنا على التوقف عن طلب العلم بحجة أننا نلنا ما نحتاجه منه.

ربما أرادونا أن نبقى دائماً متعلمين، كي يبقوا هم «كباًرا» دائًما! هذا هو التفسير الذي خطر على ذهني وأنا أفكر في كيفية تفريطهم بنصيحة ذهبية كهذه وإعطائها ـ بمجانية ـ للآخرين، وهم لا يطبقونها أساساً، حتى أصبحوا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

أقول كل هذا بعد أن تهيأت لي الفرصة خلال الشهور الماضية ـ خصوًصا ـ لحضور عدد من الفعاليات التي ترددت فيها بعض الأسماء «الكبيرة»، التي توشك أن تصبح نجوًما بالفعل في سماء الأدب والثقافة، وتوقعت أن أسمعها تتحدث في المواضيع التي كان يجب أن تتحدث فيها بناءً على عناوين الفعاليات ذاتها.

ولكني وجدتها أحياناً توجه الحديث نحو ما تستطيع أن تتكلم فيه، وأحياناً وجدتها بعيدة عن روح البحث العلمي في المواقف التي كانت تتطلب دراسة وبحثا وموقفاً علمياً، كما وجدتها في أحيان أخرى بعيدة عن مفهوم البحث العلمي نفسه، وتخلط ما بينه وبين «الدردشة» و«الخطبة» وما شابههما!

إن الوصول إلى قلوب الناس ليس بالأمر اليسير، ولا أعرف لماذا يستهين به البعض. إلا أن الوصول إلى عقول الناس هو الأصعب، ومع هذا فهناك من يستهين به، ويتعامل معه باستهتار.

الذي أراه ـ على الأقل بعين المنطق ـ أن الشخص الذي يصبح اسماً لامعاً، ويبرق في فضاء الأدب، أو الثقافة، أو الرياضة، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو الإعلام، أو في أي فضاء آخر، عليه أن يحافظ على اسمه كبيراً دوماً، ولامعاً دائماً وأبداً، لا أن يبدأ في إهمال التفاصيل الصغيرة والمهمة التي جعلت اسمه في يوم ما كبيراً.

فكيف يمكن أن نفسر تفريط هؤلاء الأشخاص في المكانة التي وصلوا إليها، واستهانتهم بعامة الناس من الطلبة وغيرهم وقبولهم أن يظهروا في صورة تزعزع مكانتهم التي كانت «كبيرة» في النفوس قبل أن يظهر الوجه الآخر؟

ربما يكون تفسيري الوحيد ـ وهو يعبر عن رأيي الشخصي فقط ـ أن الشخص الذي يتعب حتى يكوّن اسمه، ويبنيه بحبات عرقه، وبعدد الليالي التي سهرها، والمعاناة التي عاناها، حتى أصبح عَلماً يُشار إليه بالبنان، لن يفرط بسهولة في كل ما بذله على امتداد سنوات متواصلة، ليتهاوى اسمه عند من يستطيعون التمييز بين الغث والسمين، أو بين الشخص الفارغ والشخص الممتلئ.

أما الذين يمتلكون مواهب من نوع معين، تساعدهم على أن يصلوا إلى ما يمكن أن يصل إليه شخص ما بجده واجتهاده، فإنهم بعد أن يصلوا إلى مرحلة «النجومية» الوهمية، لا يبالون إن تهاوت صورتهم تدريجياً بين الناس على اختلاف فئاتهم ومستوياتهم، المهم فقط أن يحافظوا على وجود بضعة أشخاص لا يزالون خاضعين لتأثير الوهم الذي أصبح اسمه كبيًرا، ليقتاتوا على موائدهم.

هذا هو التفسير الذي وصلت إليه وأنا أفكر في وهم الأسماء «الكبيرة» الذي أصبح يحيط بنا، وأصبحنا منقادين له، ومعتمدين ـ سواء شئنا أو أبينا ـ في كل صغيرة وكبيرة على سمعة الأسماء التي نستضيفها، ودرجة نجوميتها، دون أن نقيم كبير وزن لما يقبع خلف تلك الأسماء.

ودون أن نهتم إن كان لدى هذه الأسماء ما تضيفه للقارئ والباحث والمشاهد العربي، أو أنها مجرد فقاعات تشغل فراغ الوقت المخصص لهذه الفعالية. مؤخراً فقط، عشتُ فعلياً في جو المثل العربي الذي يقول: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وأنا أتمنى ألا يكثر عدد هؤلاء «المعيديين» بيننا، مع أنني أعتقد أن العكس هو الحاصل.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com