تتعدد أشكال الإرهاب ووسائله بتعدد الجماعات والتنظيمات الإرهابية وتنوعها وتباين أهدافها، الأمر الذي أصبح معه العالم كله يخشى نمو وانتشار هذه الجماعات والتنظيمات التي تمارس الإرهاب العام المتعارف عليه دولياً.

حيث إن مفهوم الإرهاب الذي اختلط بشدة بالسياسة وبتوجهات الأنظمة الحاكمة جعل من الصعب توحيد الجهود الدولية لمكافحة الظاهرة العامة للإرهاب، وإن كان البعض يرى أن كل شكل من أشكال الإرهاب يحمل في طياته عوامل سياسية، وحتى عصابات الجريمة المنظمة والمافيا العالمية كثيراً ما تستخدم لأهداف سياسية من قبل أنظمة وجماعات سياسية.

أبشع وأقوى أشكال الإرهاب التي يخشاها الجميع هو الإرهاب النووي، فإذا كان الإرهاب الدولي استطاع في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حصد أرواح نحو ثلاثة آلاف مواطن أميركي باستخدام طائرتي ركاب كبيرتين، فإن الإرهاب النووي يستطيع حصد أرواح أضعاف هذا العدد بكثير بواسطة عبوة نووية حجمها أصغر من حجم جناح الطائرة بكثير.

وإذا كانت عملية تفجير طائرة في بناء سكني يمكن أن تودي بحياة سكان هذا المبني دون غيرهم، فإن تفجير طائرة في محطة نووية أو في مخزن لتخزين الرؤوس النووية أو لتخزين اليورانيوم المخصب كفيل بأن يودي بحياة آلاف بل ملايين البشر في محيط مئات الكيلومترات من موقع التفجير.

وإذا كان السلاح النووي في القرن الماضي قاصراً على الدول الكبيرة المصنعة له فقد أصبح الحصول عليه من قبل الجماعات والتنظيمات والأفراد أمراً ليس بالصعب ولا بالمستحيل، والمال يصنع كل شيء الآن، ولا يستبعد وصول هذا السلاح لأيدي التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة عن طريق الشراء بالمال أو عن طريق السطو والسرقة أو حتى عن طريق ابتزاز العلماء والخبراء النوويين وإجبارهم على تصنيع وتركيب قذائف نووية تحت أية ضغوط نفسية أو جسدية أو عائلية.

ويذكر هنا أن أحد خبراء الطاقة النووية في إحدى المحطات السوفييتية أعطى لعصابة من المجرمين شحنة من الوقود النووي تزن أربعة كيلوجرامات بعد أن اختطفوا ابنته وهددوا بقتلها، وقد ضبط المجرمون وهم يبيعون هذه الشحنة عام 1993 في مدينة فرانكفورت.

الدول الكبيرة التي تملك ترسانات نووية تنفق أموالا باهظة على إجراءات أمن وحماية هذه الترسانات، وقد زادت نسبة الإنفاق في هذا المجال بعد أحداث سبتمبر عام 2001 بشكل كبير، ووصلت أقصى درجاتها في العام الماضي2007 بعدما ظهرت تهديدات فعلية بإمكانية استخدام السلاح النووي والمواد المشعة من قبل تنظيمات إرهابية وعصابات إجرامية عالمية.

الميزانية الدفاعية للولايات المتحدة ستتضمن ابتداء من العام الجاري موارد مالية إضافية مخصصة لمكافحة الإرهاب النووي. ويدور الحديث عن ضمان التخزين الآمن للمواد المشعة داخل الولايات المتحدة وخارجها بالإضافة إلى التخطيط لعمليات كشف وتصفية الجماعات الإرهابية التي تسعى إلى الحصول على السلاح النووي وتنفيذ تلك العمليات.

وتواجه هذه المشكلة الحساسة روسيا أيضا. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اجتماع هيئة رئاسة مجلس الدولة الذي تم عقده في نهاية عام 2007:(لا بد أن تكون منشآت الطاقة الذرية ومستودعات المواد المشعة محمية بصورة آمنة من أي تطاولات إجرامية).

ويكتسب الإرهاب النووي ثلاثة أشكال رئيسية هي: استخدام الذخائر النووية لإصابة الأهداف المنتقاة، وتنفيذ الأعمال الإرهابية ضد المنشآت النووية، واستخدام المواد المشعة كسلاح.

وتضم الترسانات النووية في الدول النووية الثماني:الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وإسرائيل- نحو 12100 ذخيرة.

وطبقا للتقديرات الواردة في وسائل الإعلام تتفوق روسيا على الولايات المتحدة من حيث عدد الذخائر النووية: 5682 مقابل 5521 ذخيرة. أما الترسانات النووية لبريطانيا وفرنسا والصين فهي أصغر بكثير: 185 و348 و130 ذخيرة على التوالي.

وكثيرا ما تثار في الغرب شكوك فيما يتعلق بأمان حفظ الذخائر النووية في روسيا. ففي أواسط الثمانينات كانت (مراكز حفظ) الذخائر النووية تعد بالآلاف وتبعثر في كل أرجاء الاتحاد السوفييتي وإن كانت مزودة بوسائل متطورة للحماية من التدخل.

ولكن في أواخر الثمانينات أقبلت قيادة القوات المسلحة السوفييتية على نقل كل الذخائر النووية إلى أراضي روسيا وبحلول ديسمبر عام1991لم يبق أي منها في أراضي الجمهوريات السوفييتية السابقة ما عدا أوكرانيا. وفي فترة لاحقة سحبت روسيا كل السلاح النووي المتبقي من أوكرانيا والدول الأعضاء في حلف وارسو.

وتتمتع مستودعات الذخائر النووية الروسية اليوم بأعلى درجة من الحماية تستطيع معها أن تقاوم الإصابة المباشرة بقنبلة ذرية. وتزود مستودعات الذخائر الخاصة في سائر الدول النووية أيضا بالوسائل الآمنة لحمايتها من التدخل غير المشروع. ولكن مما يثير قلقا أشد بكثير مستوى حماية منشآت الطاقة الذرية الكائنة في عشرات دول العالم.

فمن المعروف أن تفجير رأس نووي متوسط القدرة يؤدي إلى تلويث طويل الأمد لمساحة تبلغ عدة كيلومترات مربعة بالمواد المشعة، بينما يسفر تدمير مفاعل نووي أو مستودع للوقود النووي المستهلك عن تلويث عدة مئات من الكيلومترات المربعة. هذا وقد يؤدي تدمير مفاعل تخصيب اليورانيوم إلى تلويث بقعة تبلغ مساحتها عدة آلاف كيلومتر مربع. ويكتسب خطر الإرهاب النووي هنا ملامح ملموسة.

وفضلا عن ذلك يعتبر الكثير من الخبراء أن عددا من مستودعات اليورانيوم العالي التخصيب والبلوتونيوم في روسيا والولايات المتحدة على حد سواء ناهيك عن الدول الأخرى ليس محميا من الإرهابيين بدرجة كافية من الأمان.

ولذا فإن إفشال محاولات التنظيمات والعناصر الإرهابية للحصول على اليورانيوم العالي التركيز والبلوتونيوم يعتبر الخط الأخير للدفاع والعامل المحوري لمنع تجسد كابوس الإرهاب النووي المأساوي في واقع الحياة.

وخلال الفترة الممتدة من يناير عام 1993 إلى ديسمبر 2006 اكتشفت في العالم 1080 حادثة للاتجار غير الشرعي والفقدان والاستخدام أو الحفظ غير المشروع للمواد النووية أو المشعة.

ومن المحتمل أن ينتقل مركز ثقل نشاط الإرهابيين إلى منطقة آسيا الوسطى حيث تتركز في أراضي كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان احتياطات كبيرة من خام اليورانيوم.

ويرى الخبراء الروس أن نظام العوائق التي تعترض طريق الإرهاب الدولي يتفوق على إمكانيات الإرهابيين.

بيد أن الحماية المحكمة غير ممكنة إلا بإيجاد منظومة شاملة من الإجراءات الوقائية تشارك فيها مجموعات من الدول التي تمتلك المواد النووية القابلة للتفجير، وتتمثل إحدى أهم أولويات المجتمع الدولي وفي مقدمته أعضاء النادي النووي في تصميم وتطبيق مثل هذه المنظومة.

جامعة سيبيريا